شهر وخمسة عشر يومًا قضيتها في بيت الصحفيين ببورتسودان، كانت أيامًا أقل ما يمكن وصفها بالجميلة، أعادت لي ذكريات صالات التحرير في الصحف، حيث كان ما يجمعنا أكبر من مجرد زمالة،بل أخوّة وصداقة ومحبة في الله، ثم في الوطن، ومصير مشترك في مهنة اخترناها عن قناعة رغم رهقها ومعاناتها.
في بيت الصحفيين ببورتسودان، فإن أجواء الصحف حاضرة بكل تفاصيلها، رضا باعو يظل بذات شغفه بالمهنة وعشقه للأخبار وشجاعة الجهر بالحقائق،وما يزال عطاف عبدالوهاب هو ذاته، بابتسامته وقفشاته ومصادماته. وكما يقول المثل: “إذا أردت أن تعرف شخصًا، سافر معه أو اسكن معه”، فإن أبو كريم له وجه آخر غير وجهه الصحفي المألوف؛ رجل كريم وأخو إخوان، يحمل من اسم ابنه نصيبًا وافرًا.
ولم تؤثر فترة الاعتقال القاسية على أستاذنا طارق عبدالله، الذي ما يزال محتفظًا ببساطته ونقائه وأدبه الجم وروحه الحلوة، أما أستاذنا و”عمّنا” الصحفي المخضرم محمد إسماعيل دبكراوي، فهو ذاته الرجل الأصيل، صاحب الأخلاق الكريمة والضحكة التي تنبع من أعماق نقية.
في هذا السكن، حتى لو لم تجمعك ظروف العمل مع أحدهم، فإنك سرعان ما تنسجم معه، وهذا ما حدث لي مع الرايق الراقي محمد دفع الله، والمهذب المحترم طلال إسماعيل، وأستاذنا الصامد المثابر الذي يرفض الانكسار للظروف، على داؤود، وكذلك هيثم الأمين، وبكري المدني، ولا أنسى رفيق الدرب في ملف الولايات جعفر باعو.
في بيت الصحفيين ببورتسودان، أيقنّا نحن من قضينا أكثر من عقدين في المهنة أنها ما تزال بخير، وأن ما قدمناه لم يذهب هباءً منثورا، ويكفينا فقط احترام شباب مثقف وواع يمثل مستقبل الصحافة، مثل مصعب الشريف، مدثر رابح، وعثمان الطاهر، وثلاثتهم على درجة عالية من التهذيب، نجد منهم تقديرًا يشعرنا بالفخر بهم، لا بأنفسنا، لأن وجود جيل بهذا الفهم يعني أن هذه المهنة، رغم العواصف التي واجهتها، ستظل بخير.
في بيت الصحفيين ببورتسودان، لا يحمل الفرد همّ الأكل أو المصاريف، فالحالة واحدة، والأخوة الصادقة تجمع بين ساكنيه، وكل واحد يحرص على أن يقف مع زملائه، ومن لم يعش أجواء الصحافة الورقية، عليه أن يذهب إلى بيت الصحفيين بالثورة ببورتسودان، ليتعلم أخلاق المهنة وقدسية الزمالة.
ولا أجد حرجًا في أن أكتب شاكرًا نائب رئيس مجلس السيادة، مالك عقار، الذي انحاز للصحفيين ووقف بجانبهم دون انتظار مقابل له أو للحكومة. وحينما تكفّل بدفع الإيجار، فإنه فعل ذلك من أجل إنقاذ مهنة، ورغم جميله هذا، لم يؤثر ذلك على مهنية من يقطن البيت، لأنهم صحفيون كبار نشهد لهم بتمييز الأشياء وعدم الخلط بينها.
كما نشكر أستاذنا جمال عنقرة، وكل من ساهم في أن يجتمع الزملاء تحت سقف واحد.