خلال مسيرتي الصحفية، توليت رئاسة أقسام “الولايات”، و”التحقيقات”، و”السياسي” في صحف “الصحافة”، و”الصيحة”، و”الانتباهة”. وبحكم انتمائي لأكثر من ولاية ، أوليت اهتمامًا كبيرًا بقضايا الإنسان في مختلف أنحاء البلاد، عبر تحقيقات استقصائية تكشف مواطن الخلل، ومقالات عرّت أوجه الفشل الحكومي في عهد نظام الإنقاذ .
لم تكن تربطني أي علاقة انتماء تنظيمي بالحكومة وحزبها والحركة الإسلامية ، بل اقتصرت علاقتي على الإطار المهني والاجتماعي ،وعندما أطاحت بنظام الإنقاذ ثورة شعبية، كنت سعيدًا بالتغيير الذي حدث.
لكن، ومن خلال مشوار طويل مع قضايا الولايات في حقبة “الكيزان”، أقول عن تجربة: حتى الصحفي المصنّف في خانة المعارضة كان يمارس مهنته ، وهذا لا يعني غياب التضييق على الحريات وقتها، لكنه يوضح أن هناك مساحة – وإن ضاقت – كانت متاحة للعمل الصحفي.
كنت أوجه نقدًا لاذعًا لعدد من الولاة، لا بدوافع شخصية، بل انطلاقًا من قضايا عامة، تمامًا كما فعل الزميل عبد الماجد عبد الحميد حين انتقد التردي البيئي في مدينة بورتسودان، ورغم سهام النقد التي كنا نوجهها، إلا أن أولئك الولاة – وللأمانة وللتاريخ – كانوا يتسعون للرأي الآخر، ويحترمون رسالة الإعلام.
أتذكر حين سافرت إلى الفاشر لإجراء تحقيق استقصائي عن “دلالة سوق المواسير”، وكنت قد انتقدت الوالي عثمان محمد يوسف كبر بشدة، وعندما علم بوجودي في فاشر السلطان، لم يصدر أمرًا باعتقالي، بل أرسل من يخبرني بأنه “من العيب أن ينزل صحفي في فندق وهناك استراحة للوالي”، وبعد إقناع، قبلت الدعوة، وأجريت تحقيقي دون أن يعترضني أحد، ولم يُطلب مني التراجع عن غرض زيارتي، بل أنجزت مهمتي كاملة رغم أنها تكشف إخفاقات حكومته.
وفي ولاية البحر الأحمر، كنت متعاطفًا مع أهل جنوب طوكر، وكثيرًا ما هاجمت الفقيد محمد طاهر إيلا، لكنه لم يضق يومًا بما كتبت، بل كنت أعمل في بورتسودان بحرية تامة، دون مضايقات أو تهديدات، بل إن الفقيد محمد طاهر أحمد حسين استقبلني ذات مرة وقال لي: “الإعلام سلطة تحترمها الولاية”.
أما في النيل الأزرق، فقد ضاق حسين يس أبو سروال بنقدي، فوجه مكتبه لتدوين بلاغ ضدي إن ثبت أنني ارتكبت مخالفة قانونية، وحين لم يجدوا ثغرة، تواصل مع الفقيد المهندس الطيب مصطفى، لكنه لم يطلب إيقافي أو فصلي من صحيفة “الصيحة”، بل طلب أن أُتيح المجال لرأي حكومته في القضايا التي اتناولها.
الأمثلة كثيرة، وقد عشنا تفاصيلها مع ولاة كانوا يدركون أن من أهم صفات رجل الدولة سعة الصدر واحترام الرأي الآخر،جميعهم رحلوا عن مناصبهم، لكن علاقاتنا الإنسانية مع بعضهم لم تنقطع ، بوصفنا سودانيين نختلف سياسيًا، ونتفق اجتماعيا.
المنصب زائل، والحياة زائلة، ولا يبقى سوى الأعمال التي تفيد الناس، أما التهديد والوعيد والتبرم من النقد، فلا يطيل عمر المسؤول في منصبه، ولا يقرّبه من إدراك مايصبو إليه ،وحده التركيز على العمل هو السبيل الحقيقي للنجاح، ولا شيء يعصم المسؤول من الإقالة إذا نُزع الحُكم بأمر الله.
إلى والي البحر الأحمر..تذكّر أنك تتولى منصب عام،وقول الزميل عبدالماجد عبدالحميد بوجود تردي بيئي حقيقة مثل الشمس في رابعة النهار لايمكن نكرانها،ركّز جهدك على ترقية البيئة فهذه مهمتك التي تتقاضي من أجلها مخصصات،وإن استعصي عليك الأمر يمكنك تقديم استقالتك.