لا بأس من إعادة التذكير بعدد من النماذج التي أشرت إليها سابقًا حول أهمية دعم التعليم، فالتجارب الملهمة كثيرة، وكلها تؤكد أن المجتمع السوداني ظل فاعلًا ومؤثرًا في هذا المجال.
في داخلية أبناء أربجي بحي الموردة بأم درمان، التي اتخذتها مقرًا خلال دراستي الجامعية، تجاوز عمرها الثلاثة عقود، وما يزال كل من سكن فيها يسدد الرسوم بطيب خاطر، عن قناعة راسخة بأهمية التعليم، حتى بات ساكنوها اليوم من أبناء أولئك الذين سكنوها من قبل، وهم الآن طلاب في الجامعات.
وفي ولاية الجزيرة، حين كنا أطفالًا، كان كل مزارع في منطقتنا، ما إن يصرف أرباحه، حتى يبادر بسداد دعم صندوق التعليم ، حتى وإن لم يكن لديه أبناء في طور الدراسة، أو كانوا قد تخرجوا بالفعل. كان ذلك سلوكًا نابعًا من إيمان عميق بأن التعليم مسؤولية جماعية مايزال شاخصا.
وفي شتاء عام 2013، زرنا محلية أم كدادة بشمال دارفور، وأخبرونا هناك أن آخر عهدهم بالأمية كان في عام 1992، بفضل جهود المجتمع المحلي، تحدثوا بفخر عن مئات الأطباء والعلماء من أبناء المنطقة، داخل السودان وخارجه.
أما في عام 2020، وخلال جولة صحفية على حزام الصمغ العربي_، فقد حدثونا في مدينة الرهد عن ناظر إحدى القبائل، وهو طبيب، جعل جلّ اهتمامه منصبًا على استقطاب الدعم من أجل التعليم،وأشاروا إلى أن قمة سعادته كانت حين يرى أعدادًا متزايدة من أبناء قبيلته يدخلون الجامعات.
وفي شرق السودان، لا يزال اسم الزعيم كباشي عيسى يتردد، ولا تزال ذكراه حاضرة. فقد نذر حياته لتشجيع التعليم، وكان بيته في بورتسودان مشرع الأبواب لطلاب الريف، حتى يتعلموا ويصلوا إلى أعلى المراتب، لإدراكه – رحمه الله – أن العلم هو النور الذي يبدد الظلام.
وفي الخرطوم، عملت مستشارًا لمدارس الشيخ مصطفى الأمين الوقفية. ورغم أنه لم يتلقَ تعليمًا نظاميًا، إلا أنه اختار أن ينير شمعة الأمل أمام الطلاب، فأنفق أمواله على التعليم،ولا تزال مدارسه حتى اليوم علامة مضيئة وصدقة جارية بعد رحيله.
هذه الأمثلة، وغيرها كثير، تؤكد أن المجتمع السوداني ظل شريكًا حقيقيًا في دعم التعليم، وأن دوره في بعض المناطق تجاوز الدعم المادي، ليصل إلى تشييد أحدث المدارس.
من هذا المنطلق، فإن مبادرة أبناء كسلا الأهلية المجتمعية تستحق كل الدعم، لأنها تمثل المفتاح الحقيقي للمستقبل، فتطوير الإنسان لا يمكن أن يتحقق دون تعليم،وفي شرق السودان، ما زال المجتمع مطالبًا ببذل المزيد من الجهد، فمجرد تداول صور لمدارس مشيدة من المواد المحلية يجب أن يكون دافعًا قويًا للشعور بالمسؤولية تجاه الأجيال القادمة.
إن مبادرة أبناء كسلا تمضي في الاتجاه الصحيح،فليس المطلوب منها تشخيص واقع يعرفه الجميع، بل المطلوب هو شحذ الهمم، وجعل التعليم قضية الجميع ومحور اهتمامهم، فرفع الوعي بقضية التعليم يعني تحريك المجتمع لدعمه، كما يحدث في أجزاء واسعة من البلاد.
وأخيرًا، نحن على ثقة تامة بأن هذه المبادرة ستكون علامة فارقة في تغيير بوصلة التعليم بكسلا، ودفعه إلى الأمام،فمن يهتم بالتعليم، يدرك تمامًا أنه السبيل الأوحد لنهضة المجتمع.