هذا السؤال طرحته على نفسي أكثر من مرة، ولم أجد إجابة له، من واقع أن احتفال حركة تحرير شرق السودان بالذكرى الثانية في شمبوب بكسلا اليوم الخميس، تجاوز التوقعات وفاق حد الوصف، وبات من العسير تجميع شتات الكلمات لنقل ولو جزء يسير من صورة تقريبية عن الحدث البديع، الذي جاء يحمل بين ثناياه الكثير من الدلالات العميقة التي تكشف عن حقائق ومتغيرات تستحق التوقف عندها طويلًا.
المشهد بجملته يؤكد أن اليوم في الشرق ليس كالأمس، ولن يكون الغد مثل اليوم، وإذا اخترنا أن نتوقف عند بعض المشاهد في مقالنا الأول هذا ومنها الحضور، فإن أدق توصيف له أنه جاء من كل فج عميق، حتى ضاقت به مساحة الاحتفال الشاسعة بما رحبت، حضور أعتقد أنه الأكبر لاحتفال تشهده كسلا خلال الفترة الأخيرة، لا أستطيع تقديره بدقة، لكنه ربما بلغ عشرات الآلاف من البشر، الذين حضر بعضهم مشيًا على الأقدام من أحياء غُصُب ومكرام، ومن شمبوب وود شريفي، وغيرها من مناطق تبعد كيلومترات عن موقع الاحتفال، بينما جاء آخرون من مسافات بعيدة على متن مختلف أنواع السيارات الكبيرة والصغيرة.
تقرأ في أعين من حضروا، في سكناتهم وحركاتهم، صمتهم وتفاعلهم، أن حركة تحرير شرق السودان لامست أشواقهم وأنفسهم التي تطوق إلى أن تصل أصواتهم إلى أبعد مدى، حتى تسمعها الآذان لتعرف أن هناك من ينشد بناء وطن تسوده المساواة والعدالة والرفاهية والإستقرار.
من المشاهد اللافتة فانه قبل وبعد الاحتفال، وعند مدخل كسلا من الناحية الشرقية، اصطفّت النساء والشابات على الطريق وهن يزغردن ويتفاعلن مع المواكب الهادرة،هو مشهد لا تراه كثيرًا في كسلا، وحينما يحدث، تأكد أن الأمر إذا لم يكن مهمًا وله اعتباره، لما خرجت النساء ليكن جزءًا من المشهد بذات حشمتهن، ليؤكدن أن القضية التي جمعت عشرات الآلاف في شمبوب، هي ذاتها التي دفعتهن للخروج، وهذا يعني أن حركة تحرير الشرق، بخطابها وأطروحاتها، جذبت طيفًا واسعًا بات يشكل لها حاضنة تؤمن بهذا التنظيم، الذي وفي عامين فقط، بات له وجود عسكري وسياسي واجتماعي لافت،وهو نجاح حقيقي لحركة يُفترض بها أن تكون ما تزال في مرحلة التعريف بنفسها، لكنها تجاوزت هذه المحطة بخطوات بعيدة، وباتت ذات ثقل ووجود مؤثرين.
دعونا ننتقل إلى ساحة الاحتفال، التي وبكل صدق، تفاجأت بمدى تنظيمها،كل شيء كان على درجة عالية من الإجادة والجودة، ومن ابتكر فكرة الحواجز أجاد وأبدع، لأنه جعل كل شيء منظمًا،وكان للحضور أثر كبير في الالتزام بما تم التخطيط له،وأنت تشاهد الآلاف من البشر وقد جلسوا ووقفوا في نظام، تعتقد بأن كل واحد منهم أكثر حرصًا على نجاح الاحتفال، وكأن الجمع الكبير ضيوف عنده.
وقد ظهرت بصمات شباب ومنسوبي حركة جيش تحرير السودان واضحة في إعداد المكان والبرنامج، لقد قدموا أنفسهم وتنظيمهم بشكل رائع ومنضبط، يؤكد أنهم لم يتركوا شيئًا للصدفة، وأنهم بذلوا أقصى ما يملكون من جهد لتخرج المناسبة بثوب قشيب، وليؤكدوا أن نجاح الكيانات لا يُقاس بعمرها ولا بسنين خبرة منسوبيها، بل بالإيمان بما يفعل الفرد، وبروح الجماعة، وبامتلاك ناصية الإبداع.
نختم هذا المقال بالتأكيد على أن الحضور الذي تكبّد المشاق، ومن وقفوا على الطرقات، ومن أجادوا التنظيم، جمعت بينهم قضية واحدة، جمعت بينهم قناعة بكيان يعتبرونه – أو يأملون أن يكون – رافعتهم لتغيير واقعهم، فكان أن منحوا ثقتهم إلى حركة تحرير الشرق، لتحريره من داء التشرذم، وهدر الموارد، وضعف الخدمات، وتواضع التنمية.
نواصل في المقال الثاني بعد ساعة، إن شاء الله.