الأمل نيوز
الأمل نيوز

بشير نوح يكتب : رحيل الشيخ إسماعيل محمد أحمد (إسماعيل سيرة) فاليبقى إرث… العالم الرباني .. 

 

 

 

 

فُجِعت ولاية القضارف أمس الخميس بخبر انتقال الشيخ الجليل إسماعيل محمد أحمد، المعروف بكنية (إسماعيل سيرة) ، إلى جوار ربه ووري الثرى ليلة الجمعة بمقابر أبايو، مخلفا وراءه فراغا كبيرا في ساحة العلم الشرعي، لا سيما في مجال دراسة السيرة النبوية الشريفة. كان هذا النبأ كالصاعقة التي حلت بأهل القضارف، المدينة التي أحبته وأحبها، والتي شهدت مسيرته الحافلة بالعطاء العلمي والاجتماعي. إن فقدان عالم متبحر في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ليس مجرد فقدا لأسرته وذويه، بل هو رزء أمة تشد البنيان على أساس الاقتداء بالقدوة الحسنة، والتي جسدها الشيخ في حياته وعلمه.

 

لقد كانت حياة الشيخ (إسماعيل سيرة) مثالا حيا للإخلاص والتفاني في خدمة سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. لم يكن مجرد محدث أو مدرس، بل كان مربيا وداعية يحيي في النفوس محبة الرسول الكريم من خلال استحضار تفاصيل حياته الكريمة وسلوكه القويم.

ان السيرة النبوية ليست مجرد سجل تاريخي، بل هي دستور أخلاقي عملي للمسلمين، والشيخ( إسماعيل سيرة) رحمه الله كان أحد أبرز المفسرين والمبسطين لهذا الدستور لأهل القضارف ومحلياتها . لقد أدرك الرحل أن فهم الدين يبدأ بفهم صاحب الرسالة، ولذا كرس جل وقته وجهده لتدريس السيرة، مبينا كيف يمكن لتعاليمها أن تضيء دروب الحياة المعاصرة، من التعاملات الاجتماعية إلى القيادة الحكيمة.

 

إن التزام الشيخ بالسيرة لم يكن حبيس قاعات الدرس والمحاضرات، بل كان ممتدا إلى سجاحه وحسن خلقه بين الناس. لقد كان هاشا باشا، سهل المعشر والقبول الاجتماعي. كل هذه الصفات جزءا أصيلا من تعاليم السيرة نفسها، التي تقوم على الرحمة واللين والتواضع. فكيف يمكن لمن يتحدث عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم أن يتصف بالجفاء أو الغلظة؟ لقد كان الشيخ إسماعيل سيرة نموذجا تطبيقيا لما كان يدعو إليه، مما زاد من قبول الناس لرسالته وأكسبه ثقة واحتراما واسعا. كان وجوده في المناسبات الاجتماعية والاحتفالية بمثابة بركة، يشارك الناس أفراحهم وأتراحهم، ويقدم النصح بصوت هادئ ومحبب، من منا لم تزرف عينه في محاضراته؟ لقد ابكى شيخ اسماعيل الجميع بأسلوبه المتفرد محدثا عن خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآل بيته وصحابته الكرام.

تكمن عظمة إرث الشيخ إسماعيل سيرة في قدرته على الربط بين النصوص التي وردت في السيرة والواقع المعيش. في عصر تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتعدد فيه التحديات الفكرية، كان الشيخ يقدم حلولا مستمدة من النموذج النبوي في التعامل مع الأزمات اسلوبه في التدريس يمزج بين الأصالة والواقعية وذلك ما جعل دروسه خالية من الجفاف العلمي المحض، وجعلها نبضا حيا في قلوب مستمعيه.

 

إن ولاية القضارف، التي نعته امس بحزن عميق، تدرك تماما حجم العطاء الذي قدمه عالمنا رحمه الله، عطاء لم يكن ماديا بقدر ما كان روحيا وعلميا، وهو الأبقى والأثمن. لقد عمل الشيخ على تخريج أجيال من طلاب العلم الذين سيتولون بدورهم حمل شعلة تدريس السيرة النبوية، وهذا هو الضمانة الحقيقية لاستمرار النفع بعد وفاته.

إن من أوجب الواجبات تجاه الشيخ (إسماعيل سيرة) يقتضي منا النظر إلى أهمية استدامة مشروعه العلمي. في ظل التحديات المعاصرة التي تواجه الأمة الإسلامية في فهم هويتها ومكانتها، يصبح دور علماء السيرة أكثر أهمية من أي وقت مضى. يجب على المؤسسات الدينية والثقافية بولايةالقضارف أن تعمل على جمع مل وُثق من محاضراته العلمية، وتنظيمها، ونشرها بصورة منهجية، لتبقى دروسه متاحة للأجيال القادمة التي لم تحظ بلقائه والاستماع إليه مباشرة. هذا التوثيق هو أقل ما يمكن يقدم تكريما لعالم كرس كل حياته لخدمة سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 

إن فقد الشيخ إسماعيل محمد أحمد فقدان جلل ، لكنه ترك وراءه إرثا عظيما من العل والأخلاق التي ستظل منارة لأهل القضارف وطلاب العلم. لقد عاش حياة كريمة، مكرسا نفسه لسيرة أعظم الخلق، وكان نموذجا للعالم المتواضع المحبوب بين الناس. رحم الله شيخنا رحمة واسعة وألهم ذريته وأهله ومحبيه الصبر والسلوان، وجعل علمه صدقة جارية له وعملا مقبولا يوم يلقى ربه.

 

إنا لله وإنا إليه راجعون

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.