لا أعرف على وجه الدقة تفاصيل السياسة الجديدة التي قررت مفوضية العون الإنساني بولاية كسلا انتهاجها هذا العام بالانتقال من الإغاثة إلى التنمية، لكن هذا العنوان العريض صادف عندي هوى واستحسانًا، انطلاقًا من إيماني القاطع بالمثل الشائع: “لا تعطني سمكة، بل علمني كيف أصطادها.”.
ومع قناعتنا التامة، كما أشار المفوض الأخ إدريس واراب، بأن هناك ظروفًا استثنائية تفرض أحيانًا ضرورة الدور الإغاثي، إلا أن هذا الدور يظل حلًا مؤقتًا تفرضه طوارئ، أما تعليم الصيد بدلًا من إعطاء السمكة، فهو التنمية الحقيقية، لأنه ينطوي على تزويد الفرد بالمهارات والمعرفة اللازمة لتحقيق الاكتفاء الذاتي على المدى الطويل، وهو ما ينعكس إيجابًا على المجتمع والاقتصاد.
وهنا تحضرني تجربة كانت شاهدا عليها لأحد أمناء الزكاة السابقين بولاية القضارف،” الأستاذ عبدالحكم”، الذي ركز جلّ جهده على دعم الفئات المحتاجة عبر تمليكها وسائل إنتاج، وقد حققت تجربة الجمعيات الزراعية النسوية نجاحًا منقطع النظير، حيث أسفرت عن خروج العديد من الأسر من مربع تلقي الزكاة إلى دائرة إخراجها.
وأعتقد أن ولاية كسلا، وبما أنها من الولايات ذات الموارد المحدودة، تحتاج إلى تدعيم هذا المنهج القائم على “تعليم الصيد” من خلال التعليم، والتدريب، وتمليك وسائل الكسب. لذا، فإن المفوضية، التي أشارت إلى أن سياستها الجديدة تتسق مع أطروحات حكومة الولاية لهذا العام، تُعدّ في حال تطبيقها نقلة نوعية حقيقية.
فإذا وُجِّه دعم المنظمات نحو تنمية المجتمعات في مجالات الزراعة، والصناعات الصغيرة، والتعليم، فذلك سيكون أفضل بكثير من تقديم الدعم الإغاثي، الذي مهما بلغت كميته، فهو إلى نفاد، بخلاف مشاريع التنمية التي تتسم بالاستدامة، وتنعكس آثارها الإيجابية على المجتمع بأسره.
وفي هذا الإطار شاهدت في تطبيق “تيك توك” نماذج مدهشة تُجسد المعنى الحقيقي لمقولة “علمني كيف أصطاد”، منها تمليك مزارعين في الصين لآليات صغيرة لتجفيف، وتقطيع، وتغليف الخضروات في مواقع إنتاجها،وهذا يعني إمكانية تمليك مواطنين في كسلا آليات بسيطة لتجفيف البصل وتغليفه في منازلهم، وكذلك آليات صغيرة لصناعة معجون الطماطم (الصلصة والكاتشب)، إنها صناعات بسيطة لا تحتاج إلى مصانع أو مساحات كبيرة، ويمكن تشغيلها داخل المنازل، مما يحوّل شرائح من المجتمع إلى فئات منتجة ومساهمة في الدخل القومي.
كما شاهدت آلة تشبه الجرار، قادرة على اقتلاع أكثر من ألف شجرة في اليوم الواحد من جذورها، وإذا استوردت حكومة الولاية خمسًا فقط من هذه الآلات، يمكن إزالة شجر المسكيت الذي احتل أجزاء َاسعة من مساحة الولاية، وبالتالي استعادة مئات الآلاف من الأفدنة عالية الخصوبة، والتي يمكن أن تُزرع وتحوّل كسلا إلى أغنى ولاية في السودان.
مرحلة مابعد الحرب تحتاج إلى تفكير جديد ونهج مختلف في التعاطي مع مفهوم التنمية بمعناه الشامل.