من الجولات الميدانية التي لا يمكن أن تسقط من ذاكرتي، لأنها كانت بمثابة إضافة حقيقية لزخيرتنا الصحفية، هي جولتنا في ود الحليو خلال الأيام الماضية،في هذه المحلية تتنازعك المشاعر بين السعادة الغامرة والحزن العميق.
فهي أرض تمتلك إمكانيات ضخمة، ونسيجها الاجتماعي يدفعك للإعجاب به من واقع انسجامه وتجانسه ومستوى الوعي الرفيع الذي يتصف به،في ود الحليو، معيار التعامل هو الإنسانية، فلا مكان للجهوية أو القبلية، حيث يتجسّد السودان في حركة الناس والمجتمع، وأعتقد أن هذه السمة كان لها دور كبير ومؤثر في الاستقرار الذي تشهده المحلية، رغم أنها حدودية وزراعية ورعوية، سكانها منتجون يتوزعون بين الحقول والسواقي والأسواق والمصائد، وهو ما أضاف قيمة كبيرة لاقتصادياتها.
الأمر اللافت في ود الحليو هو الاستغلال الأمثل لدعم المنظمات، الذي لا يذهب نحو الإطعام والدعم المباشر، بل إلى دعم الإنتاج عبر توفير الطاقة الشمسية للسواقي، والتقاوي، والصناعات التحويلية الصغيرة،وقفنا على نماذج باهرة تؤكد جدوى توجيه دعم المنظمات نحو التنمية الحقيقية التي تعلي شأن الإنتاج، كما وجدنا المنظمات في محطات المياه، وكذلك في المرافق الصحية، حيث شيدت مرافق طبية حديثة، تجربة ود الحليو تُعد ترجمة مثالية لكيفية توجيه دعم المنظمات نحو الإنتاج والبنى التحتية.
ولكن…رغم ما تزخر به المحلية من موارد زراعية وثروة حيوانية وموقع استراتيجي يجاور دولتين، إلا أنها تفتقد للكثير من المقومات التي تقع مسؤوليتها على الحكومتين الولائية والاتحادية،محلية بهذا الحجم لا يعقل أن تفتقد للطرق المسفلتة، فموقعها الحدودي يفرض ربطها بطرق سريعة لتسهيل حركة المواطنين والأجهزة الحكومية. مواردها الزراعية تفرض إنشاء طرق حديثة ليجد الإنتاج طريقه إلى الأسواق، إنسانها المنتج يحتاج إلى خدمات أساسية كالمستشفيات، وهو ما يتطلب ثورة طرق حقيقية لتطوير المحلية وزيادة إنتاجها.
حتى الآن لا يوجد تفسير منطقي لإغلاق المعبر الذي يربط ود الحليو بإثيوبيا، رغم صدور قرار اتحادي وتوجيه من الوالي الصادق الأزرق بفتحه لانسياب الحركة التجارية. استمرار إغلاق المعبر يمثل ضياعاً لموارد ضخمة كان من شأنها إنعاش خزينة المحلية والولاية، وفي ذات الوقت وقف نزيف التهريب.
في ود الحليو يتكبد المواطن مشاق السفر إلى خشم القربة لاستخراج شهادة ميلاد لطفله أو حتى شهادة وفاة، لغياب مكتب للسجل المدني. كما لا يوجد مكتب لترخيص السيارات، وهو ما يزيد من معاناة المواطنين.
ورغم كل ذلك فإن هذه المحلية وبقليل من الجهد يمكنها ان تحتل مرتبة متقدمة على مستوى البلاد اقتصاديا ،ويبدو ان مديرها التنفيذي المخضرم عبدالناصر سيف الدين عرف كيف يضع المحلية في الطريق الصحيح وهي تشهد اختراقات كبيرة وحقيقية على صعيد الخدمات والإنتاج ،ولكن مايزال المشوار طويلا لبلوغ الغايات.
نواصل بإذن الله تعالى