د:عثمان أحمد صديق يكتب :منارة البطاحين تستقبل رئيس الوزراء: محطة تاريخية لتعزيز السلم المجتمعي والتعايش الوطني
في حدث يجمع بين الأصالة والمعاصرة، والتقاليد العريقة والرؤى الحديثة، استقبلت منارة البطاحين العلمية والدينية في منطقة إبرق، في ظل ضيافة ناظر قبيلة البطاحين ورئيس الإدارة الأهلية السيد المنتصر الشيخ خالد، فخامة رئيس الوزراء في زيارة هي الأكثر تميزاً وحضوراً رمزياً هذا العام. جاءت الزيارة في إطار تعزيز دور الإدارات الأهلية والطرق الصوفية في ترسيخ السلم المجتمعي وإشاعة قيم التعايش والمواطنة الصالحة.
استقبال عربي أصيل يتجاوز التكريم إلى التآخي
كان الاستقبال مهيباً، يعكس عمق الجذور وعراقة المكان، حيث تم نحر الإبل تكريماً للضيف الكريم وللمناسبة التاريخية، في إشارة إلى الكرم العربي الأصيل الذي تفيض به منطقة إبرق، والتي اشتهرت عبر القرون بحسن الضيافة وعمق الإيمان. لم يكن نحر الإبل مجرد طقس تقليدي، بل لغة رمزية تؤكد أن ترحيب البطاحين برئيس الوزراء هو ترحيب بالأخ القادم إلى بيته الثاني، في مجتمع لا يزال يحفظ قيم الإيثار والكرم كأسمى تعاليم الدين والحضارة.
وقال ناظر القبيلة الشيخ خالد في كلمته الترحيبية: “هذا البيت بيتكم، وهذا المجلس مجلسكم، وشعب البطاحين جزء لا يتجزأ من نسيج هذا الوطن العظيم. نحن هنا حراس تقاليد، لكننا أيضاً شركاء في بناء مستقبل ينعم فيه كل السودانيين بالأمن والاستقرار والازدهار”.
بوتقة انصهرت فيها العلاقات الدينية والسياسية والاجتماعية
كانت هذه الزيارة بوتقة انصهرت فيها العلاقات على جميع المستويات، حيث شهدت الحضور المميز والكبير للخليفة عبد الوهاب الشيخ الكباشي، أحد أبرز رموز الطرق الصوفية في السودان، مما أضفى على اللقاء بعداً روحياً عميقاً، يجسد الدور التاريخي للطرق الصوفية في جمع الشمل ونبذ الفرقة.
كما شهدت الزيارة مشاركة واسعة من أعيان المنطقة وشيوخ القبائل وكبار الشخصيات الدينية والأكاديمية، مما حول اللقاء من زيارة رسمية إلى منصة حوار شاملة، تتنفس فيها روح المجتمع السوداني بكل تنوعه وثرائه.
مضيف العلم والإيمان: الخليفة تاج الدين البطحاني
تحولت الأنظار إلى الخليفة تاج الدين خليفة الشيخ طه الأبيض البطحاني، الذي كان المضيف الكريم في بيته ومسجده ومؤسساته العلمية العريقة. هذه المؤسسات التي لا تقتصر على تقديم العلم الديني فحسب، بل هي مركز لتحفظ القرآن الكريم وعلوم الفقه والدين، وتخرّج أجيالاً تحمل هموم الأمة وتعمل على خدمتها.
تجول رئيس الوزراء والوفد المرافق في رحاب المؤسسات العلمية التابعة للخليفة تاج الدين، حيث اطلع على جهوده في تحفيظ القرآن، و تدرس العلم و مناهج الفقه والسيرة، وأشاد بالدور التنويري الذي تقوم به هذه المراكز في صياغة عقل وقلب المواطن السوداني، القائم على الاعتدال والتسامح والانتماء الوطني.
اختلاط العلاقات وانسجامها: نسيج سوداني متكامل
اختلطت العلاقات وانسجمت اجتماعياً ودينياً وسياسياً في مشهد نادر، يجسد حقيقة المجتمع السوداني عندما تلتقي قيادته السياسية بجذوره الاجتماعية والدينية. لم يكن اللقاء مجرد تبادل للتحيات، و شكّل فرصة بل فرصاً لمناقشة الشأن السوداني بكليته، في أجواء من الصراحة والمسؤولية الوطنية.
وقد تمحورت النقاشات حول دور الإدارات الأهلية والطرق الصوفية في إشاعة السلم المجتمعي، وكيفية توظيف هذه المؤسسات الراسخة في بناء السلام الدائم. كما تم التركيز على إزكاء مبدأ التعايش الذي يقوم على المواطنة الصالحة التي تبني وتعمر ما دمرته الحروب والنزاعات.
رؤية ناظر البطاحين: الإدارة الأهلية جسر بين الدولة والمجتمع
برز في هذا اللقاء التاريخي دور ناظر قبيلة البطاحين، الشيخ خالد، ليس فقط كزعيم قبلي تقليدي، بل كرجل دولة، وفاعل إيجابي في المعادلة السياسية والاجتماعية. قدم الناظر رؤية واضحة لمستقبل الإدارات الأهلية، مؤكداً أنها ليست بديلاً عن الدولة، بل جسراً للتواصل وحلقة وصل حيوية بين الحكومة المركزية والمجتمعات المحلية.
وقال: “الإدارة الأهلية تملك شرعية تاريخية واجتماعية، ونحن نستطيع أن نكون شركاء فاعلين في تعمير ما تهدم، وفي إقناع أبنائنا بأن مستقبلهم في التعايش والعمل، وليس في التفرق والاقتتال. المواطنة الصالحة التي ننشدها تبدأ من هنا، من احترام التنوع، والاعتزاز بالهوية الوطنية الجامعة”.
مؤسسات علمية راسخة: صمام أمان للهوية الوطنية
كشف هذا اللقاء النقاب عن الدور الحضاري للمؤسسات العلمية والدينية في مناطق مثل إبرق، والتي ظلت لقرون حارسة للهوية العربية الإسلامية للسودان، ومعادية لكل أشكال التطرف والغلو. هذه المؤسسات لا تدرس العلوم الدينية فقط، بل تغرس قيم الانتماء والمسؤولية الاجتماعية، وتخرج مواطنين صالحين، يسعون لخدمة مجتمعهم ووطنهم.
نحو مستقبل مشترك: توصيات ومبادرات
خرج اللقاء بعدة توصيات ومبادرات عملية، من أبرزها:
1. تعزيز الشراكة بين الحكومة والإدارات الأهلية في برامج التنمية المحلية ومشاريع البنى التحتية.
2. الاستفادة من الشبكات الاجتماعية للطرق الصوفية والقبائل في حملات التوعية الوطنية ومشاريع المصالحة المجتمعية.
3. دعم المؤسسات العلمية والدينية التقليدية، و الاستفدة منها في النظام التعليمي الوطني، مع الحفاظ على استقلاليتها وخصوصيتها.
خاتمة: يوم تاريخي في مسيرة الوطن
غادر رئيس الوزراء منارة البطاحين، وهو يحمل في جعبته خلاصة حكمة شعب عريق، ورؤية قيادات محلية تدرك عمق الأزمة ووعورة التحدي، ولكنها لا تفتأ تبحث عن المخارج بالحكمة والإيمان والانتماء للوطن.
لقد كانت زيارة رئيس الوزراء إلى منارة البطاحين أكثر من حدث سياسي أو بروتوكولي. كانت رسالة أمل موجهة لكل السودانيين: بأن جذورنا قوية، وتراثنا غني، وقيمنا قادرة على جمعنا. وأن المستقبل، رغم كل الصعاب، يمكن بناؤه عندما تلتقي إرادة الدولة بحكمة المجتمع، وتتوحد رؤية السياسي مع روحانية المتصوف وعراقة شيخ القبيلة.
هكذا، في أرض إبرق التي تفيض كرماً، تفيض اليوم معاني الوحدة والأمل. وهكذا يكتب البطاحين، بناظرهم الشيخ المنتصر، وبخليفتهم تاج الدين، وبشراكتهم مع كل رموز الخير في المنطقة، فصلاً جديداً من فصول المواطنة الفاعلة والقيادة المسؤولة، مؤكدين للجميع: السودان وطن للجميع، وبناءه مسؤولية الجميع.