كتب: سيف الدين آدم هارون
ضجت ولاية كسلا، وما زالت، بخبرٍ لم يكن ليمر مرور الكرام. فضائية محلية تبث أسماء أوائل شهادة المرحلة الابتدائية، بحضور الوالي ووزير التربية وقيادات التعليم والناس ينتظرون أمام الشاشات بقلوب ترتجف. ثم تأتي الصدمة: أسماءٌ لامعة سقطت سهواً من الكشف الرسمي. دموع، صدمة نفسية، وبيوت انطفأ فيها العيد قبل أن يبدأ.
الوزارة سارعت بالتوضيح. “خطأ غير مقصود”. وعدت بإعادة البث وحفظ الحقوق والتحري والدقة والشفافية. ابتلع الشارع الاعتذار بصمت، ظناً أن الدرس قد وصل. لكن يبدو أن المشهد لم ينتهِ بعد ، بل دخل فصلاً ثانياً أكثر إيلاماً.
حلبة التنافس أم لعبة الأسماء؟
ما كاد غبار الحلقة الأولى ينجلي، حتى خرجت رواية جديدة من ذات الشارع الذي صدّق الوعد الأول. مدارس تدخل امتحانات الشهادة بـ”شريحتين”: أحمد، وحاج أحمد.، لكن التنافس يُدار باسمين.
الحكاية ببساطة: تصنيف داخلي صامت. النابغون في فصل، وبقية التلاميذ في فصل آخر. الأول يُسجل باسم مدرسة “ورقية” تتبع للمدرسة الأم ولا وجود لها إلا على الورق. والثاني يبقى تحت اسم المدرسة الأصلية. وهكذا تدخل مؤسسة واحدة الامتحان مرتين، بفصلٍ للنخبة يضمن لها مركز الأضواء، وبفصلٍ آخر يُترك في الظل.
النتيجة؟ مدارس التزمت باللوائح ودفعت بكل تلاميذها دفعة واحدة تجد نفسها خارج المشهد. يتفوق تلاميذها فعلياً، لكن الأرقام لا تكذب في الإعلام: مدرسة بعدد أقل، ونسبة نجاح أعلى، تصعد للواجهة. أما المدرسة الملتزمة بعددها الكبير، فتغيب عن نشرة “الأوائل”.
السؤال الذي لا يقبل التأجيل
هل هذه ممارسة تربوية وأكاديمية وأخلاقية؟ أم أنها تحايل مكشوف على اللوائح المنظمة للمدارس الخاصة؟
الأمر لا يتوقف عند كسر القواعد. هو تمييز صريح بين التلاميذ. هو رسالة مبطنة للتلميذ “العادي”: أنت أقل، ومكانك ليس في واجهة النجاح. هو خداع لولي الأمر الذي يدفع ويصدّق أنه أرسل ابنه لمدرسة واحدة، بينما الحقيقة أن ابنه صُنف مسبقاً خارج دائرة “النوابغ”.
والأخطر: هل تعلم الوزارة بهذه الطريقة؟ وهل يعلم أولياء الأمور أن أبناءهم تم تقسيمهم في الخفاء؟ خبراء التربية يسمونها باسمها: خداع وغش مؤسسي، يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في مقتل.
المشهد المتناقض.
المفارقة تكتمل بمقطع متداول على منصات التواصل. مدير التعليم غير الحكومي يظهر مهنئاً الطلاب الذين سقطت أسماؤهم في البث الأول، يتلو أسماءهم بفرحة كبيرة قبل إعادة البث. سؤال بسيط يفرض نفسه: هل وصل المدير لكل المدارس التي ظُلم طلابها؟ وهل كانت ذات الفرحة حاضرة لو لم يحدث الخطأ على الهواء مباشرة
لا يكفي التوضيح ولا الاعتذار. الأمر يحتاج تدخلاً عاجلاً وحاسماً ، حظر التسجيل المزدوج و إلزام كل مدرسة أن يمتحن طلابها ككتلة واحدة دون تقسيم أو تمييز.
ويسبقه تدقيق ميداني ومراجعة سجلات المدارس التي تحقق قفزات غير مفسرة في النتائج مقارنة بعدد طلابها. مع نشر كشوفات بأسماء المدارس وأعداد الممتحنين الفعليين بجانب النسبة، حتى يعرف الناس من ينجح بعدل ومن ينجح بالحيلة. فإن
ما حدث في شهادة الابتدائية بكسلا ليس مجرد خطأ إداري. هو اختبار لضمير المنظومة التعليمية. فإما أن نعيد الاعتبار لمبدأ المساواة، أو نقبل أن يتحول التعليم إلى مسرح لعرض “الأوائل المصنوعين” بينما يُدفن تعب الأغلبية خلف الكواليس.
والسؤال لأوليا أمور التلاميذ والتلميذات لو كان ابنك في الفصل ، غير المخصص للنابغين هل كنت ستقبل أن يُحرم من فرصة المنافسة العادلة لمجرد أن مدرسته اختارت لعبة الأسماء لتصدر المشهد؟