تقرير خاص.. سيف الدين آدم هارون
من قصة نجاح ملهمة أشادت بها قيادة اليونسكو في الخرطوم، إلى نموذج صارخ للفشل الإداري وتبديد الميزانيات.. هكذا تحول مشروع اليونسكو لدعم التعليم الفني والتدريب المهني في شرق السودان، بميزانية ضخمة بلغت *3 ملايين يورو*، إلى مجرد “وعود واهية” بلا أثر على الأرض.
2020 – 2021: زمن الشفافية الذي جلب الملايين
انطلقت المرحلة الأولى من المشروع في ولايات كسلا والبحر الأحمر والقضارف تحت إدارة ميدانية وصفها الجميع بالاحترافية، بقيادة مدير عام وزارة التربية السابق عبد الباسط، وتنفيذ عبد الدائم كريز، ومتابعة الأستاذة أميرة حسين.
لم يكن العمل مكتبياً. نزل الفريق إلى قلب المجتمع:
في الأسواق الشعبية التغلغل في أوساط كسلا، من قهوة الرياضيين إلى موقف الغرب وموقف الشرق، لتغيير الصورة النمطية السالبة عن التعليم المهني.
في المدارس ، تنفيذ ورش توعية في أكثر من 20 مدرسة لمراحل الانتقال، من السادس للمتوسط والثانوي، لدرجة تحقيق إقبال غير مسبوق اضطر معه المشروع للاستعانة بمركز حسن مكي. لاستيعاب الطلاب
بنظام مالي صارم ارتكز على التسوية الشهرية الفورية وصرف المستحقات عبر صراف مباشر بحضور المعلمين والطلاب.
هذا النجاح الميداني والشفافية هو ما دفع مديرة المكتب الإقليمي لليونسكو بالخرطوم حينها، بافل كوروبكين، للإشادة العلنية بالمشروع، وهو السبب المباشر والوحيد الذي أقنع المانحين – الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي – بتمديد التمويل وتخصيص *1.5 مليون يورو لكسلا ومثلها لبورتسودان.
2022 – 2026: الانقلاب على الكفاءات وبداية الانهيار
مع رصد الميزانية الضخمة، حدث التحول الدراماتيكي. أول قرار للإدارة الجديدة كان إبعاد الكوادر الميدانية والميسرين الذين حققوا النجاح وجلبوا التمويل.
النتيجة بعد عام كامل من عمر المشروع الجديد الممتد لثلاث سنوات
انعدام الأثر الملموس وغياب الرؤية الميدانية تبدد المكاسب المجتمعية وتوقف ديناميكية التدريب تحول المشروع من فرصة لبناء المستقبل إلى حصاد من الشلل التنموي.
تكشف المهندسة مدينة أدروب، مدير مركز ترك للتدريب وتنمية القدرات، الشريك المحلي، عن حجم الأزمة وتعلن انسحاب مركزها من الشراكة.
وقال ادروب المشروع فشل ذريع وتحول إلى مجرد وعود واهية دون أي أثر ملموس. الميزانيات تُبدد على الشكليات وورش عمل في الفنادق ولقاءات فاقدة للقيمة الإنسانية والتدريبية، دون تقديم أي دعم حقيقي للمستفيدين” – مدينة أدروب
وتوضح أدروب أن المشروع الذي يهدف لتحسين فرص عمل الشباب والفئات الهشة كالنازحين وذوي الإعاقة في مجالات التدريب الزراعي والفني، لم ينفذ منه شيء ، لم يتم تطوير المراكز النسوية، لم يبدأ التدريب التخصصي لـ 25 معلماً لتأهيلهم كمدربين ، تأخرت أعمال صيانة المكاتب والمعامل والمباني في المدرسة الزراعية باروما، واقتصرت الخطط على أجزاء محددة بدلاً من التجديد الشامل.
ووجهت أدروب انتقادات حادة لمفوضية العون الإنساني، مطالبة بفرض رقابة صارمة لمنع تهريب أموال المشاريع الأجنبية في أنشطة شكلية، وطالبت رئاسة اليونسكو والجهة الممولة بتشكيل لجنة تحقيق عاجلة والاستعانة بالخبرات التي حققت نجاحات المرحلة الأولى.
المدرسة الزراعية باروما بئر لم تحفر ومستقبل معلق
من جانبه، أبدى *محمد باشنين من المدرسة الزراعية باروما* مخاوف جدية من التعثر الكامل، كاشفاً أن المنظمة حتى الآن لم تبدأ بحفر البئر المحورية التي يُبنى عليها كل المشروع: تقنيات البيوت المحمية، وتسمين العجول، ووحدات الأسمدة والمبيدات، واستخدام الطاقة الشمسية.
ويقول باشنين إن إدارة المشروع تكتفي بالوعود البراقة وتبرر التأخير بـ “ترتيبات وتعديلات داخلية”، محذراً من أن فترات المماطلة الإدارية يتم خصمها من السقف الزمني للمشروع، مطالباً اليونسكو بعدم احتساب فترات التأخير الخاصة بها ضمن المدة المحددة.
اليوم، يقف مشروع الـ 3 ملايين يورو كعلامة استفهام كبيرة في الشارع الكسلاوي الذي ملّ الانتظار، وسط مطالبات مباشرة للوكالة الإيطالية الممولة بمساءلة الجهات المنفذة قبل أن تتبخر الملايين بلا أثر.
سؤال يبقى معلقاً كيف يتم إبعاد من جلبوا التمويل بعرق الميدان، ليُدار المشروع بعقلية الفنادق