الأمل نيوز
الأمل نيوز

اصطياد المتفوقين أم صناعة المتفوقين؟.. التعليم الخاص في كسلا يحتاج إلى ميثاق شرف

 

كتب … سيف الدين آدم هارون

عاشت البلاد، وأسر الطلاب بصفة خاصة، لحظات مختلطة من الفرح والقلق والأمل مع إعلان نتيجة الشهادة السودانية 2026، بعد عام دراسي شاق وظروف استثنائية فرضتها الحرب.

تهانينا لأبنائنا وبناتنا الناجحين وأسرهم ومعلميهم الأجلاء، وتحية أيضاً لمن لم يحالفهم التوفيق، فالرسوب في امتحان لا يعني الرسوب في الحياة.

لكن بعيداً عن التهاني، لا بد أن نواجه الحقيقة المرة التي يعيشها التعليم اليوم.

عرف السودان المدرسة كمؤسسة لبناء الإنسان، لا كمصنع للدرجات. كانت الأنشطة الثقافية والرياضية والجمعيات الأدبية والعلمية والكشافة جزءاً أصيلاً من الحياة المدرسية، فخرّجت قادة ومبدعين ،أما اليوم، فقد تغير المشهد تماماً، وأصبحت المدارس الخاصة لاعباً رئيسياً، بل تاجراً رئيسياً في سوق التعليم.

وهنا نطرح السؤال الصريح والمباشر لإدارة التعليم غير الحكومي بكسلا هل تتنافس مدارسنا الخاصة على صناعة الطالب المتفوق، أم على اصطياد الطالب المتفوق أصلاً؟

بعض المدارس تستقطب الطلاب أصحاب الدرجات العالية، توفر لهم أفضل المعلمين، ثم ترفع نسب نجاحهم كإعلان تجاري ضخم يثبت جودتها. قد تكون حققت مجداً تسويقياً، لكنها لم تجب عن السؤال الجوهري: ماذا صنعت أنت في هذا الطالب؟ والجريمة الأكبر أن بعض المدارس أصبحت تتعامل بشريحتين: شريحة “أحمد وحاج أحمد” من المتفوقين الذين تحشد لهم كل الإمكانيات، وشريحة الطلاب الآخرين ذوي المستويات المتذبذبة الذين دفعوا ذات الرسوم الباهظة ولكنهم تركوا على الهامش. هنا تكمن الخيانة لشرف المهنة.

إن الشحن الأكاديمي الزائد، والمعسكرات المغلقة، والحصص الإضافية المتواصلة، خلقت طالباً ممتازاً في ورقة الامتحان، لكنه فقير في التواصل، ضعيف في العمل الجماعي، عاجز عن حل المشكلات وتحويل المعرفة إلى إنتاج.

اقتصادياً، هذه ليست قضية تربوية فقط، بل هي قضية أمن قومي واستثمار في رأس المال البشري. السودان بعد الحرب لا يحتاج حفظة وملقنين، بل يحتاج مبتكرين، ومبرمجين، ورواد أعمال يعيدون بناء ما دمرته الحرب.علما إن

المدرسة الجادة هي التي تنتقل من اصطياد النوابغ إلى اكتشاف النوابغ التي تبحث عن الموهبة بين الجميع، المتفوق والمتوسط وحتى المتعثر، فقد يكون بينهم عالم المستقبل أو المخترع أو الرياضي.وفي هذه الأيام نشهد ممارسات لا أخلاقية جعلت من التعليم سوقاً يفتقر لأخلاق المهنة. تسويق رخيص يشبه أساليب “القونات”، وخداع لأولياء الأمور، وطريقة “الهلال والمريخ” في موسم التسجيلات، بخطف الطلاب المتفوقين من مدارسهم عبر الإغراء تعليم مجاني، دفع مالي، شراء موتر، ومخصصات أخرى يسيل لها اللعاب، فقط لتتزين بهم لوحة شرف المدرسة.هذا ليس تعليماً، هذه سمسرَة.وهنا يكمن الخلل في معايير التقييم. التقييم الحكومي يعتمد على نسبة النجاح العامة (عدد الناجحين مقابل الإجمالي) وهو معيار موضوعي يكشف حقيقة المدرسة. بينما تروج بعض المدارس الخاصة لمعيار “المعدل التحصيلي” أو إبراز الأوائل فقط، وهو معيار مضلل رياضياً، فمدرسة بها 5 متفوقين و10 راسبين قد تحقق متوسطاً عالياً يوازي مدرسة ناجحة بكل طلابها. على إدارة التعليم غير الحكومي بكسلا أن تتدخل وتضع ميثاق شرف ملزم وواضح يوقف هذه الفوضى

منع إغراء وسرقة الطالب المتفوق من مدرسته.وضع معيار تقييم موحد وشفاف يعتمد على النسبة العامة لا على استعراض الأوائل.إلزام كل مدرسة خاصة بمنظومة لاكتشاف المواهب وأندية علمية وثقافية ورياضية.

السؤال الحقيقي ،ماذا أصبح هؤلاء الطلاب بعد النجاح؟ وهل مدارسنا تصنع جيلاً يتصدر نتائج الامتحانات، أم جيلاً يتصدر سوق العمل والابتكار وإعادة الإعمار؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.