في لحظة تاريخية تشبه المعجزة، يخطف فريق الهلال السوداني الأنظار ليس فقط بأهدافه في الشباك، بل بذلك القلب الجبار الذي ينبض تحت قمصانه الزرقاء. إنها ليست مجرد كرة قدم تدور في الملعب، بل هي قصة شعب يرفض الاستسلام، وأمة تختزل في فريق واحد روحها الأبية التي لا تعرف المستحيل. لكن الهلال هنا ليس استثناءً ينفرد به، بل هو مرآة تعكس وجهاً آخر من وجوه السودان المضيئة، تلك التي تختفي أحياناً خلف سحب الدخان والصراعات، لكنها تظل مشتعلة في الأعماق، تنتظر اللحظة المناسبة لتعلن عن نفسها من جديد.
فلسفة النجاح في ظل حتمية الفشل
ما يفعله الهلال ليس رياضة عادية، بل هو تحدٍّ منطقي لكل معادلة السبب والنتيجة. ففي ظل الظروف المحيطة، حيث تتداعى البنى التحتية وتنضب الموارد وتشتعل الأزمات، كان الفشل هو التوقع المنطقي الوحيد. لكن الهلال، مثل تلك المستشفيات التي أعادت تأهيل نفسها لتعمل بطاقتها القصوى وتستقبل أعداداً أكبر من المرضى رغم كل شيء، يعلّمنا درساً ثميناً: أن المنطق أحياناً يكون أداة للاستسلام، بينما الإرادة تصنع منطقها الخاص.
إن مقارنة نجاح الهلال بنجاح المؤسسات السودانية الأخرى ليست مقارنة عابرة، بل هي إضاءة على جوهر الشخصية السودانية. تلك الشخصية التي تتمتع بما يمكن وصفه بـ “المرونة الوجودية” – القدرة على الانحناء دون الانكسار، والتأقلم دون التخلي عن الجوهر. فكما أن فرق الكهرباء تصل بالخدمة إلى مناطق شاسعة رغم كل المعوقات، وكما أن المعلمين والمعلمات والأهالي يتضافرون لإنقاذ العام الدراسي من براثن الظروف، فإن الهلال يضرب في الملعب ليذكرنا بأننا قادرون على الضرب في كل ساحة.
تشريح الإرادة السودانية: لماذا ننجح حين يفترض بنا أن نفشل؟
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: ما الذي يجعل السودانيين ينتصرون في معارك تبدو خاسرة سلفاً؟ الإجابة تكمن في ثلاثية نفسية عميقة:
أولاً: العزيمة المتأصلة التي لا تعرف التراجع. إنها ليست صفة مكتسبة، بل هي موروث حضاري متجذر في تاريخ شعب واجه الصحراء بقلبها الحارق، والنيل بفيضانه الجارف، والتحديات بصبره الأسطوري. هذه العزيمة هي التي تجعل الطبيب يعمل 24 ساعة متواصلة لإنقاذ حياة، والمعلم يقطع عشرات الكيلومترات سيراً ليصل إلى طلابه، ولاعب الهلال يتدرب في ظروف بالغة الصعوبة ليقدم أداءً استثنائياً.
ثانياً: الإبداع في الموارد المحدودة، وهي سمة تميز السوداني في كل مكان. عندما تكون الموارد شحيحة، يولد الإبداع السوداني بزخم لا يصدق. إنه إبداع يعرف كيف يصنع من القليل كثيراً، ومن البسيط معقداً، ومن المستحيل ممكناً. إن نجاح فرق الكهرباء في توصيل الخدمة رغم كل الصعوبات هو دليل عملي على هذه القدرة الإبداعية الفذة.
ثالثاً: التضامن العضوي الذي يجعل من الفرد جزءاً من كيان جماعي أكبر. إن تضافر الجهود الشعبية والرسمية لإنقاذ العام الدراسي ليس مجرد عمل تنظيمي، بل هو تعبير عن وعي جمعي بأن مصير الفرد مرتبط بمصير الجماعة، وأن النجاح الفردي لا قيمة له إلا إذا انعكس على الصالح العام.
رسالة إلى الشباب السوداني: أنتم جيل السودان الحقيقي
أيها الشباب السوداني الأبي، أنتم لستم مستقبل هذا البلد فحسب، بل أنتم حاضره النابض. إن قصة الهلال وقصة المستشفيات المعاد تأهيلها وفرق الكهرباء والمعلمين هي رسائل موجهة إليكم بشكل خاص:
رسالة أولى: توقفوا عن انتظار الظروف المثالية. الظروف المثالية هي وهم صنعته ثقافة الاستهلاك والعولمة. التاريخ يخبرنا أن أعظم الإنجازات البشرية ولدت من رحم أصعب الظروف. فلو انتظر أجدادنا ظروفاً مثالية لما بنوا حضارات على ضفاف النيل، ولما استطاعوا تحدي الطبيعة والصعاب. إن التحدي الحقيقي ليس في تحسين الظروف أولاً ثم البدء في العمل، بل في البدء بالعمل رغم الظروف.
رسالة ثانية: اعلموا أن الفشل ليس قدراً محتوماً. إن النجاح في السودان اليوم قد يبدو “عملية ليست فقط صعبة بل مستحيلة في كثير من الأحيان” ، لكن هذا الوصف هو للواقع وليس للحتمية. الفرق بين الواقع والحتمية هو أن الواقع يمكن تغييره، بينما الحتمية قدر لا مفر منه. إن نجاح الهلال وتلك المؤسسات الأخرى يثبت أن الحتمية الوحيدة هي قدرة السوداني على التغلب على المستحيل.
رسالة ثالثة: احتضنوا الإبداع في التخصص الذي تختارونه. ليس المطلوب من كل شاب سوداني أن يكون لاعب كرة قدم، بل المطلوب أن يكون “هلالياً” في مجاله. هل تدرسون الطب؟ كونوا هلال الطب السوداني الذين يتحدون المستحيل في غرف العمليات. هل تهتمون بالهندسة؟ كونوا هلال الهندسة الذين يبنون من الركام مدناً. هل تعملون في التعليم؟ كونوا هلال التربية الذين ينشرون النور في أحلك الظلام.
من النجاح الفردي إلى النجاح الجماعي: نحو سودان الغد
إن تحدي المرحلة القادمة هو تحويل نجاحات الهلال والمستشفيات وفرق الكهرباء والمدارس من جزر معزولة في محيط من التحديات، إلى قارة مترابطة من الإنجازات. وهذا يتطلب:
1. توثيق ونشر قصص النجاح: فكل قصة نجاح سودانية هي مصدر إلهام لعشرات القصص الأخرى. عندما يسمع شاب كيف استطاع فريق طبي إنقاذ مئات المرضى رغم نقص الإمكانيات، أو كيف استطاع مهندس توصيل الكهرباء إلى قرية نائية، فإنه يدرك أن المستحيل مجرد وهم.
2. بناء شبكات الدعم والتضامن: إن قوة السودانيين تكمن في تضامنهم. فكما أن نجاح الهلال هو نتاج تضافر جهود الإدارة واللاعبين والجمهور، فإن نجاح السودان سيكون نتاج تضافر جهود كل أبنائه.
3. تبني ثقافة الجودة في العمل: إن ما يميز الهلال ليس فقط فوزه، بل أسلوب لعبه المتميز. وكذلك، يجب أن نطمح ليس فقط لإنجاز العمل، بل لإنجازه بإتقان وجودة تنافس أفضل المعايير العالمية.
4. الاستثمار في المعرفة والتعليم: إن المعلمين والمعلمات الذين يتحدون الظروف لإنقاذ العام الدراسي هم جنود مجهولون في معركة بناء السودان الجديد. دعمهم وتطوير التعليم هو استثمار في العقل السوداني، ذلك العقل الذي أثبت عبر التاريخ قدرته على الابتكار والإبداع.
الخاتمة: نحن شعب النهار الطويل
إن فريق الهلال، بتلك الضربات الحديدية التي يوجهها في الملعب، يذكرنا بأن في أيدينا أيضاً مضارب حديدية يمكن أن توجه ضرباتها في كل مجال من مجالات الحياة. إن القلب المليء بالعزيمة والإصرار الذي ينبض في صدور لاعبي الهلال، هو نفس القلب الذي ينبض في صدر كل طبيب سوداني يعالج المرضى رغم النقص، وكل مهندس يصلح الخطوط رغم المخاطر، وكل معلم يعلم الأطفال رغم التحديات، وكل شاب يحلم بسودان أفضل رغم الصعاب.
إن الرغبة في الحياة التي تتجلى في محاولات إنقاذ العام الدراسي، هي نفسها التي تقهر رغبات الآخرين في الدمار. فلتكن هذه الرغبة في الحياة شعلة نحملهها في صدورنا، ونوراً نهتدي به في دروبنا، وقوة نصنع بها مستقبلاً يليق بأبناء النيل العظيم.
السودان يضرب.. وضربته ستروي تاريخاً جديداً من المجد.