الأمل نيوز
الأمل نيوز

بعد خروجه من السجن.. الصحفي جمعة عبدالله يسرد حكاوي السودانيين بمصر في الزنازين الموحشة 

 

 

 

اصل الحكاية

 

بدأت قصة الاعتقال في احد الامسيات الباردة من يوم الجمعة، في نهايات شهر يناير المنصرم، حيث كنت أعمل باحد مطاعم القاهرة، وتحديدا بمدينة السلام شارع جمال عبد الناصر، في هذا المكان كنا نحو “16” عاملا جلنا من السودانيين وبعض السوريين وثلاثة فقط من الجنسية المصرية؛ هنا يكدح العمال لما يزيد عن 12″ ساعة عمل يوميا بقضونها كلها وقوفا بلا استراحة، نظير اجد زهيد ويتفاوت الاجر اليومي للعامل بحسب الخبرة والتمكن من الصنعة من 《 200 الي 500》جنيه مصري للعامل.

في تلك الاثتاء جاءنا احد عمال المحال المجاورة مسرعا ليخبرنا ان سيارة الشرطة بالخارج وهم بصدد معاينة موقعنا، وفور خروجه وقبل ان نتدبر حالنا دلف الي داخل المطعم اثنان من عناصر الشرطة بزي مدني، بقسمات صارمة واعينهم تجول بداخل المطعم الانيق، وهنا تظاهر العمال بمتابعة مهامهم وعملهم الروتيني وانظارهم تسترق لمحات لتعرف ماذا سيحدث بعد لحظات.

اقترب مني احد عناصر الشرطة مخاطبا بلهجة مصرية 《فين الاقامة》 فاخجرت له جواز سفر وكرت المفوضية فتفرس في الاوراق لبرهة قبل ان ينتقل لزميل مجاور مكررا نفس الطلب، امرنا فرد الشرطة وهم يهم بالخروج بان “تعالا معي”، فتبعناه علي امل اعادة اوراقنا وتركنا نواصل عملنا، بيد ان ما حدث كان خلاف ذلك.

بعد خروجنا وامام مدخل المطعم اعاد الشرطي الاوراق لزميلي وامره بالانصراف، وعلي العكس منه طلب مني ركوب السيارة، قائلا “نمشي القسم” ففعلت دون نقاش.

كنت اخر مقبوض في حملتهم تلك، فالسيارة نصف نقل سعة “14 راكب” بلوحات مدنية تحمل ستة من افراد الشرطة وسائقهم؛ وبقية المقاعد السبعة كنا نحن اثنان من السودانيين وخمسة من الجنسية السورية، وجميعنا نعمل في محال متقاربة.

 

الطريق إلى قسم الشرطة

بعد ركوبي للسيارة واغلاق بابها باحكام تفحص احد افراد القوة جميع المقبوضين وتفرس في وجوهنا لبرهة، بعدها شرع زميله في جمع الهواتف منا، فاخرجت هاتفي الصغير المخصص للاتصال وسلمته اياه بيد ان شكوكه ذهبت ابعد من ذلك فتحسس جيوبي طالبا تسليم الهاتف الاخر فاخرجته وسلمته اياه ثم تحركت بنا المركبة قاصدة وجهتها التي لم نعلمها الا بعد الوصول.

سارت المركبة لنحو نصف ساعة وهي تشق زحام القاهرة الصاخب وضجيجها، قبل ان تنعرج لاحقا لشوارع داخلية اقل زحاما حتي وصلت الي وجهتها حيث لافتة المبني تقول انه “قسم شرطة السلام ثاني” التابع للادارة العامة لمرور القاهرة.

 

كان الوقت مقاربا لاذان العشاء، السادسة والثلث بتوقيت القاهرة، حيث تم انزالنا امام مدخل الحبس وتم ايقاف مجموعتنا التي تتكون من “7” اشخاص في احد الزوايا الضيقة، وهنا إنتهت مهمة عناصر الشرطة الذين حضروا برفقتنا وتسلم مهمة التعامل معنا أخرين.

وبعد وقوف اكثر من نصف ساعة حضر الينا بعض الافراد ومعهم هواتفنا وتم تسليم كل احد هاتفه مع توجيهات صارمة باجراء اتصال سريع تخبر اسرتك بانك محتجز في قسم شرطة السلام ثاني وتطلب منهم الحضور لاستلام متعلقاتك .. هذه التوجيهات عليك ان تنفذها في مدة لا تتجاوز ثوان معدودة قبل اعادة تسليم هاتفك مجددا لافراد القسم.

وما ان فرغنا من المهمة المطلوبة منا حتي حضر فرد اخر يتولي اولا تصويرنا كل بمفرده ثم يقوم بتدوين بياناتنا علي هاتفه

اسمك الكامل ؟

جنسيتك ؟

تاريخ ميلادك ؟

شغال ايه ؟

داخل رسمي ولا تهريب ؟

منفذ الدخول ؟

تاريخ دخولك مصر ؟

 

الي غرفة الحبس

بعد الانتهاء من هذه الخطوات تم اقتيادنا جميعا الي غرف الحبس التي تقع في نهاية ممر طويل تتخلله ابواب متينة محكمة الاغلاق بين كل مسافة واخري مدخل منفصل كنوع من تشديد التأمين علي المحبس، فلا مجال للهروب’، وقبل دخول الحبس يجري تفتيش دقيق يشمل كل شي للتاكد من عدم حيازتك لاي شئ اي كان نوعه، فقط يجب ان تدخل خاويا من كل مقتنيات.

 

الاستعداد للحبس

يبدو شكل غرفة الحجز مخيفا للناظر اليها من الخارج، فهي مبني اصم شديد التحصين، وتخلو من اي منفذ للهواء اما الضوء فينفذ اليها من فتحة صغيرة جدا مغطاه بشبك حديدي متين اعلي الحجرة.

وجميع حجرات الحبس علي ذات الشاكلة وبمساحات 4 في 5 مترا، تقتطع منها مساحة متر في متر لحمام الحجرة الذي يخلو حتي من باب فيتطوع النزلاء لتغطية بقطعة قماش، وهي سمة ثابتة في كل السجون والمعتقلات المصرية ترك حجرة الحمام دون باب.

 

50 معتقلا في 18 مترا

 

شرع السجان بعد اكمال تفتيشنا الدقيق في فتح باب الحجزة وامرنا بخلع نعالنا والدخول ففعلنا، وفور ذلك اغلق الباب بكل قوة.

وجدنا الحجرة مزدحمة بشكل لا يطاق حيث لا موطئ قدم بفعل تكدس نحو “50” معتقلا في مساحة لا تتجاوز “18” مترا مربعا، وحتي هذه المساحة الضيقة ليست متاحة لنا للجميع، بل يسيطر بعض النزلاء على مساحات اوسع تسمح لهم بالتمدد والاستلقاء للنوم، وهذه الفئة علمنا لاحقا انها من تسيطر على كل شئ في المحبس ولهم الاولوية في الطعام واستخدام الحمام كما تعتبر مواقعهم محرمة على بقية النزلاء فلا يمكن الجلوس فيها بل علينا ان نبتعد الي منتصف الحجرة وركنها الاخر، هؤلاء استمدوا نفوذهم في الحبس من تطاول فترة بقائهم بالسجن واغلبهم من مرتكبي الجرائم الخطرة والبلطجية، فلم يكن من خيار سوي تحاشي اي نقاش معهم فقد تكون نهاية حياتك علي يدهم بدم بارد دون ان يحرك احد ساكنا ..

 

في الحلقة القادمة

 

كيف تمضي ايام الحبس الرتيية ؟

الاجراءات وطبيعها ؟

كيفية التعايش مع التكدس وضيق الحبس

قصص مؤسفة من غرف الاحتجاز.

بين الافراج والترحيل ..

 

نواصل

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.