في خطوة تعكس الرغبة في فتح مسار سياسي جديد لمعالجة الأزمة السودانية، أعلنت اللجنة التيسيرية للحوار السوداني – السوداني، من العاصمة الخرطوم، إطلاق مبادرة وطنية تهدف إلى تهيئة الطريق أمام حوار سوداني شامل، باعتباره مدخلاً للوصول إلى حلول وطنية تنهي الحرب وتضع الأساس لإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار.
ما يلفت الانتباه في هذه المبادرة هو تأكيد القائمين عليها أن الحوار لا يحمل أجندة سياسية جاهزة، ولا يسعى إلى فرض رؤية مسبقة على الأطراف المختلفة، وإنما يهدف إلى خلق مساحة جامعة لكل المكونات السودانية، تركز على قضايا بناء الدولة وتهيئة المناخ الملائم لحوار حقيقي يمكن أن يقود إلى توافق وطني واسع.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الأوضاع الإنسانية والاقتصادية المعقدة التي خلفتها الحرب، حيث باتت الحاجة إلى مبادرات تفتح أبواب التلاقي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فاستمرار الصراع لا يعني سوى مزيد من المعاناة للمواطنين، بينما يمثل الحوار فرصة لإعادة بناء الثقة بين السودانيين والانتقال من حالة المواجهة إلى البحث عن المشتركات.
صحيح أن الطريق نحو توافق وطني شامل ليس سهلاً، وأن تجارب الحوار السابقة واجهت العديد من التحديات والعقبات، لكن أهمية أي مبادرة جديدة تكمن في قدرتها على جمع الفرقاء حول مائدة واحدة وإعادة الاعتبار لفكرة الحلول السودانية التي تنبع من الداخل وتراعي مصالح البلاد العليا.
وفي نهاية المطاف، يبقى الهدف الأهم أمام أي مسار حواري هو الوصول إلى معالجة حقيقية للأزمة السودانية، لا الاكتفاء بإدارة تداعياتها. فإذا نجح الحوار السوداني – السوداني في تجاوز الاستقطاب والإقصاء، وفتح الباب أمام مشاركة واسعة ومسؤولة، فإنه قد يشكل نافذة مهمة لاستعادة زمام المبادرة والانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة صناعة الحل، على أساس التوافق الوطني والمصلحة العامة.
والسودان اليوم بحاجة إلى كل جهد يقرب المسافات بين أبنائه، لأن بناء السلام لا يتحقق إلا بالحوار، ولا يمكن أن ينهض الوطن من جديد إلا بإرادة أبنائه وقدرتهم على الاتفاق حول مستقبل يتسع للجميع.