الحوار في السودان ليس ترفاً سياسياً، ولا وصفة مستوردة لمعالجة الأزمات، وإنما قيمة دينية وثقافة اجتماعية متجذرة في وجدان السودانيين.
في الإسلام، الحوار باب من أبواب الإصلاح، يقول تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وفي المجتمع السوداني، ظل الحوار حاضراً في “الجودية”و”الديوان” و”الراكوبة” حيث يجلس المختلفون، ويستمع كل طرف إلى الآخر، ثم يبحث أهل الحكمة عن مخرج يحفظ الحقوق، ويمنع القطيعة والاقتتال.
اليوم، تبدو الحاجة إلى الحوار السوداني ـ السوداني أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالحرب أرهقت البلاد، ومزقت النسيج الاجتماعي، ووسعت دائرة النزوح والخسائر، وعمقت حالة عدم الثقة بين السودانيين.
ولهذا، فإن استمرار البحث عن حل عسكري وحده لن يكون كافياً، كما أن أي تسوية تُفرض من الخارج لن تستطيع وحدها صناعة سلام مستدام. السودان في النهاية وطن السودانيين، والحل الحقيقي لا بد أن يصنعه السودانيون أنفسهم.
إذا نجح الحوار، فقد يكون بوابة لوقف الحرب، وعودة النازحين، وإعادة بناء الدولة، والوصول إلى انتقال سياسي وانتخابات. لكن أهم نتائجه قد تكون أعمق من ذلك كله: إعادة بناء الثقة بين السودانيين.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى إسكات البنادق، بل يحتاج أيضاً إلى إسكات لغة الكراهية والتخوين، واستعادة ثقافة الاختلاف دون اقتتال.
لقد نجح السودانيون، في مجالسهم الصغيرة، في إطفاء كثير من الحرائق عبر “الجودية” واليوم، يحتاج الوطن كله إلى جودية كبرى، يجلس فيها الجميع حول مائدة السودان، لا مائدة السلطة.
فلا أحد يستطيع إلغاء الآخر، ولا يستطيع طرف واحد أن يملك السودان وحده.
الحوار، إذن، ليس خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة وطنية، وربما يكون الطريق الأقصر إلى السودان الذي نحلم به.