كتب… سيف الدين آدم هارون
لم يكن ظهر اليوم ظهراً عادياً في جامعة كسلا.
عند برج كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية، كان المشهد استثنائياً. أسرٌ صغيرة وكبيرة، آباء احدودبت ظهورهم من ثقل الانتظار، وأمهاتٌ يحبسن الدمع في المآقي، يتزاحمون أمام قاعة المناقشة. لم يأتوا لحضور تخرج فحسب، بل جاؤوا ليشهدوا ميلاد حلم تأجل كثيراً.
بينهم، كنت وأسرتي الصغيرة نحمل قلقاً ممزوجاً بالشوق، نترقب لحظة إعلان تخرج ابنتي “سمر” وزملائها من كلية نظم المعلومات، لنيل درجة البكالوريوس.
لقد كانت رحلة هذا الجيل شاقة بكل المقاييس. أكثر من عامين من التعطيل، بدأت بجائحة كورونا التي أغلقت القاعات، ثم تعاقبت عليها الأزمات السياسية والأمنية التي شلّت الجامعات السودانية وأثقلت كاهل الأسر.
دقائق الانتظار أمام الباب بدت كالدهر. ثم انفتح الباب فجأة.. وعلت الزغاريد.
لم تكن زغاريد أسرتي وحدها، بل كان الحرم الجامعي كله يتهلل. رأيت الفرح في كل شيء؛ في دموع الأمهات التي انهمرت فخراً، في تكبيرات الآباء، في عناق الخريجين والخريجات لرفقاء الدرب.
إنها لحظة التخرج.. اللحظة التي تسقط عندها كل فواتير التعب.
وفي غمرة هذا الفرح، لا بد من كلمة شكر ووفاء لكل من كان جزءاً من هذه الرحلة وصنع هذا اليوم.
شكراً لجامعة كسلا؛ إدارةً صبرت وثابرت وأصرت على أن تظل منارة العلم مضاءة رغم العتمة.
شكراً لأساتذتنا الأجلاء الذين حملوا مشعل العلم في أحلك الظروف، ولم يبخلوا بعلمهم ووقتهم وصبرهم على أبنائهم وبناتهم.
شكراً لجنود الجامعة المجهولين؛ للعمال، وللحرس الجامعي الذي كان يحرس الحلم قبل أن يحرس البوابات،
وشكراً خاصاً لبائعة الشاي التي كانت تقدم كوب الشاي الدافئ مقروناً بدعوة صادقة بالنجاح، كانت شاهدة على قلق الطلاب وسهرهم، وجزءاً أصيلاً من تفاصيل يومهم الجامعي
خرجت سمر وزميلاتها وزملاؤها بزي التخرج المميز، يحملون على أكتافهم أحلامهم المؤجلة، ليبدأوا حياة عملية في وطن أرهقته الصراعات.
وهذه ليست رسالة تشاؤم، بل هي رسالة تحدٍ ساطعة من برج الاقتصاد، تقول إن هذا الجيل رغم كل العثرات، رفض أن ينكسر.
اليوم في جامعة كسلا، لم نحتفل بتخرج طالبة واحدة، بل احتفلنا بانتصار الإرادة على التعطيل، وانتصار الحلم على التأجيل.
ألف مبروك سمر.. وألف مبروك لكل خريج وخريجة صنعوا من الصبر سلماً للمجد.