الأمل نيوز
الأمل نيوز

. عثمان احمد صديق يكتب: النسيج الاجتماعي في شرق النيل: لوحة زاهية تزداد بهاءً بالتلاحم في المحن 

 

في قلب منطقة شرق النيل، حيث تتدفق مياه النهر الخالد حاملة معها تاريخاً عريقاً وتراثاً إنسانياً فريداً، تُنسج يومياً لوحة اجتماعية استثنائية. ليست لوحة عادية بألوان منفصلة وحواف واضحة، بل هي تشكيل فني نادر حيث تذوب الألوان في بعضها البعض، وتتلاشى الحدود، وتنصهر الهويات في بوتقة إنسانية واحدة. هذا المشهد الاجتماعي الفريد لا يُشبه سواه، إذ تنبعث منه روائح الطرق الصوفية المتعددة المشارب، المتحدة في منهل واحد: الإخاء في الله سبحانه وتعالى.

بوتقة الانصهار الاجتماعي: حيث تذوب العصبيات وتتسع الرحاب

في هذا الفضاء الاجتماعي المتميز، تذوب عصبيات القبيلة وتتبخر المسافات المصطنعة، لتنطلق الأرواح مصطحبةً معها الأجساد إلى رحاب أوسع. إنه فضاء يتداخل فيه الزمان مع المكان، ويتلاشى فيه الماضي بانقساماته ليحل محله حاضر موحد ومستقبل مشترك. هنا، في شرق النيل، تعلم الناس أن القوة الحقيقية لا تكمن في الانغلاق على الذات القبلية، بل في الانفتاح على الآخر المختلف والاعتراف به شريكاً في المصير والإنسانية.

هذا النسيج الاجتماعي المتين لا يظهر جماله الحقيقي إلا في أوقات المحن والشدائد، حيث تتحول الروابط الاجتماعية من كلمات مجردة إلى أفعال ملموسة، ومن مشاعر عابرة إلى التزامات دائمة. فالمجتمع في شرق النيل يشبه الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو، تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، كما ورد في الحديث النبوي الشريف.

لقاء الساحة: تجسيد حي للوحدة في التنوع

في أيام الخير والبركة، وفي ساحة “ود الأمين”، تجسدت هذه اللوحة الاجتماعية الزاهية بأبهى صورها. تحت ضيافة الشيخ الوقور الطيب الغزالي – ذلك الرجل الذي يلقى تقديراً واحتراماً من القاصي والداني، الأب الروحي، المحدث اللبق، الحكيم العالم – اجتمع نفر كريم من أبناء القبائل. في ديارهم العامرة بالخير و المحبة و الالفة و الكرم الحاتمي الفياض.

شرف الحضور ناظر عموم قبيلة البطاحين المنتصر الشيخ خالد، والشاعر الشفيف الراوي للمدائح النبوية الشيخ أبو الخليفة الشيخ الحسن. كما شكل وجود الخليفة تاج الدين الشيخ عبد الله حضوراً مميزاً زاد من عبق اللقاء وروعته. ولم يتوقف بريق الحضور عند هذه الكواكب النيرة فقط، بل سطع أيضاً برق الخليفة عبد الوهاب الشيخ إبراهيم الكباشي، فتداخلت الأنوار وزاد جمال اللقاء بهاءً.

المحن تذيب الفروق وتصهر القلوب

كان اللقاء في مناسبة عزاء لحادث أليم أفجع كل شرق النيل. وهنا تظهر عبقرية هذا النسيج الاجتماعي الفريد: ففي حين قد تفرق المصائب مجتمعات أخرى، وتزيد من انقساماتها، نجد أن المصائب في شرق النيل تزيد المجتمع قوة وتماسكاً وتلاحماً.

إن تجمع القيادات الدينية والأهلية في مثل هذه الأزمات ليس مجرد زيارة عرفية، بل هو رسالة قوية تقدم الدعم النفسي والمعنوي لذوي المتوفى، وتفقد أحوال أسرته، وتطمئن الجميع بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة المحنة. هذه المناسبات الحزينة تتحول – بقدرة هذا النسيج الاجتماعي القوي – إلى جلسات معالجة نفسية جماعية، تطيب من خلالها الخواطر، وتهدأ النفوس، ويشعر أهل المصاب بأن المجتمع بأكمله معهم، ولن يتخلى عنهم في أحلك الظروف.

فلسفة التلاحم: من الإيثار إلى التكافل الشامل

إن سر متانة النسيج الاجتماعي في شرق النيل يكمن في جذوره العميقة الممتدة في تربة القيم الروحية والأخلاقية. فالطرق الصوفية المنتشرة في المنطقة، برغم تنوع مشاربها، تتفق جميعاً على منهل واحد هو الإخاء في الله، والتسامح، والمحبة، والتعاون على البر والتقوى.

هذه القيم لا تبقى حبيسة الزوايا والخلوات، بل تتحول إلى ممارسات يومية وثقافة مجتمعية شاملة. فالتكافل الاجتماعي هنا ليس شعاراً يُرفع، بل واقع يعيشه الصغير والكبير، الغني والفقير، القريب والبعيد. إنه تكافل يتحول إلى نسق حياة، ومنظومة قيم، وفلسفة وجود تجعل من المجتمع كياناً عضوياً متكاملاً.

الذاكرة الجماعية: تاريخ من التلاحم في وجه التحديات

لقد شهدت منطقة شرق النيل على مر التاريخ العديد من التحديات والمحن، بدءاً من الفيضانات المدمرة، مروراً بالجفاف والمجاعات، وصولاً إلى الأزمات السياسية والاجتماعية. وفي كل محنة، كان النسيج الاجتماعي يخرج أقوى وأكثر تماسكاً.

هذه الذاكرة الجماعية من التغلب على الصعاب أصبحت جزءاً من الهوية الجمعية لأبناء المنطقة، تراكمت عبر الأجيال لتصبح تراثاً إنسانياً فريداً. إنها ذاكرة تروي حكايات التضحية والإيثار، وقصص التعاون والتكافل، وأمثلة التلاحم في وجه المحن، لتشكل معاً سجلاً حافلاً بالإنجاز الإنساني النادر.

الشباب: حاملو المشعل إلى المستقبل

واللافت في هذا النسيج الاجتماعي المتين هو انخراط الشباب فيه، ليس كمستقبلين سلبيين للتراث، بل كشركاء فاعلين في تطويره وتحديثه. فالشباب في شرق النيل يعون جيداً قيمة هذا التراث الاجتماعي الفريد، ويسعون إلى تجديده بما يتناسب مع متطلبات العصر، دون التفريط في جوهره الإنساني والأخلاقي.

إنهم ينقلون قيم التلاحم والتكافل من حيز الممارسة التقليدية إلى فضاءات جديدة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمبادرات التطوعية المنظمة، والمشاريع التنموية المجتمعية. وهكذا يضمن النسيج الاجتماعي استمراريته وتجدد حيويته عبر الأجيال.

التحديات المعاصرة وثبات القيم

في عصر العولمة والتحولات السريعة، حيث تتهاوى كثير من الروابط التقليدية، ويضعف التماسك الاجتماعي في العديد من المجتمعات، يبقى نسيج شرق النيل الاجتماعي صامداً ومتماسكاً. إنه لا يقاوم التغيرات من خلال الانغلاق والرفض، بل من خلال الانفتاح الواعي والاستفادة من الإيجابيات مع الحفاظ على الجوهر.

فالقيم الإنسانية العليا التي يقوم عليها هذا النسيج – من التضامن والتكافل والتسامح – هي قيم عالمية صالحة لكل زمان ومكان. وهي تشكل اليوم حاجزاً منيعاً في وجه رياح التفتت والانقسام التي تجتاح العديد من المجتمعات المعاصرة.

دروس للعالم من شرق النيل

لعل العالم اليوم، في ظل أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية متلاحقة، أحوج ما يكون إلى الدروس التي يقدمها نسيج شرق النيل الاجتماعي. دروس في كيف يمكن للتنوع أن يكون مصدر قوة لا ضعف، وكيف يمكن للاختلاف أن يثري لا أن يفرق، وكيف يمكن للمحن أن توحد لا أن تفتت.

إن نموذج شرق النيل يثبت أن المجتمعات القوية ليست بالضرورة تلك الأكثر ثراءً أو تقدماً تكنولوجياً، بل تلك الأكثر تماسكاً وإنسانية. المجتمعات التي تضع القيم الإنسانية في صلب اهتمامها، وتجعل من التكافل الاجتماعي شعاراً وممارسة، وترى في التنوع ثراءً لا تهديداً.

خاتمة: لوحة زاهية تزداد جمالاً مع الزمن

إن النسيج الاجتماعي في شرق النيل هو بالفعل لوحة زاهية، لا تكاد تميز بين ألوانها لامتزاجها، من كافة ألوان الطيف الاجتماعي. لكن جمال هذه اللوحة لا يكمن في ألوانها فقط، بل في قدرتها على التجدد والاستمرار، وفي صلابتها أمام عواصف الزمن، وفي مرونتها التي تمكنها من التكيف مع المتغيرات دون التفريط في الجوهر.

إنه نسيج تزيده المصائب قوة، والأزمات تماسكاً، والتحديات صلابة. نسيج يجعل من المجتمع كالجسد الواحد، يفرح لفرح أفراده، ويحزن لحزنهم، ويتألم لألمهم. نسيج يذكرنا بأن الإنسان، في عمقه، كائن اجتماعي، يحتاج إلى أخيه الإنسان، ويتكامل معه، ويكتمل به.

في زمن تتفكك فيه المجتمعات، وتضعف فيه الروابط الإنسانية، وتغيب فيه القيم الجميلة، يبقى نسيج شرق النيل الاجتماعي شمعة مضيئة في درب الإنسانية، تذكرنا بأن التعايش ممكن، وأن التسامح واقع، وأن التكافل اختيار. وهو بذلك لا يشكل قدوة لمنطقة شرق النيل فقط، بل نموذجاً يستحق الدراسة والاحتفاء من العالم أجمع.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.