الأمل نيوز
الأمل نيوز

بشير نوح يكتب:  السلطة زائلة ونعيمها إلى زوال والعبرة بالخواتيم

 

 

السلطة في جوهرها ليست ملكية شخصية بل هي عهدة مؤقتة ومسؤولية ائتمانية. هذا المبدأ، الذي يؤسس لأخلاقيات القيادة، يشدد على أن الذكرى الطيبة هي الميراث الحقيقي الذي يتبقى بعد أن يطوي القدر صفحة المنصب. إن الخدمة المدنية، التي يفترض أن تكون قاطرة للتنمية وخدمة الجمهور، تتطلب من قادتها التحلي بالتواضع والعدل، وإلا تحولت هذه الأمانة إلى نقمة على صاحبها.

إن التشبث غير المبرر بالمنصب، وما يرافقه أحيانا من استعراض للقوة وتجاهل للمرؤوسين، ينبع من وهم زائف باستمرارية النفوذ. ينسى المسؤول أن هذا الكرسي، مهما علت مكانته، هو مجرد موقع إداري زائل. التاريخ مليء بالأمثلة التي تثبت أن النفوذ السياسي والإداري، مهما بلغ مداه، لا يدوم. عندما يصل شخص إلى موقع سلطوي، يفترض أنه وصل إليه لخدمة الصالح العام، لا لتمجيد الذات. التكبر على الموظفين، الذين هم العصب الحقيقي لأي جهاز حكومي، يخلق بيئة عمل سامة تقوض الإنتاجية والكفاءة. الموظف الذي يشعر بالاستصغار أو الظلم يفقد حماسه وولاءه للمؤسسة، ويتحول العمل إلى مجرد أداء روتيني يفتقر إلى المبادرة والابتكار. هذا السلوك الإداري المتغطرس هو شكل من أشكال سوء استخدام السلطة، وهو أمر تحاسب عليه الضمائر قبل القوانين.

إن جوهر الإدارة الفعالة يكمن في القدرة على بناء علاقات مهنية سليمة وقائمة على الاحترام المتبادل. القائد الحكيم يدرك أن قوته لا تكمن في منصبه الرسمي فقط، بل في مدى احترامه وتقديره لمن حوله. إن معاملة الموظفين بخلق حسن، والسماح لهم بالتعبير عن آرائهم، وتقدير جهودهم، حتى بعد رحيلهم عن الإدارة، هو الاستثمار الأهم في بناء سمعة دائمة. عندما يترجل المسؤول عن منصبه، سواء بالتقاعد أو النقل أو حتى بإقالة، فإن ما يتبقى هو الأثر الذي تركه في نفوس الناس. الذكرى الحسنة هي التي تدوم، فيتناقلها الزملاء والأتباع كدليل على أن هذا الشخص أدى واجبه بأمانة وإنسانية. في المقابل، الشخص الذي عامل الناس بسوء أو استغل سلطته، يواجه صمتا قاسيا عند رحيله، أو ربما دعوات بالشر، وهذا أسوأ ما يمكن أن يواجه إنساناً في نهاية مسيرته.

إن السلطة في الخدمة المدنية هي هبة مؤقتة يجب استثمارها في بناء سجل من الإنجازات النبيلة والتعامل الإنساني الرفيع. إن القدر يحتم زوال المناصب، ولكن طبيعة الذكرى التي نتركها هي من خياراتنا اليومية في التعامل مع الزملاء وعباد الله. العبرة ليست في مدة الجلوس على الكرسي، بل في جودة الأثر الذي نتركه خلفنا؛ أثر يبقى يذكر بالخير أو يتوارى في صمت الإهمال. هذا هو الميزان الحقيقي الذي سيُحكم به على مسيرة كل مسؤول

إن السلطة زائلة ونعيمها إلى زوال والعبرة بالخواتيم

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.