تُعد امتحانات الشهادة السودانية أكثر من مجرد استحقاق أكاديمي، إذ تبدو في كثير من مشاهدها أقرب إلى تظاهرة وطنية وإنسانية، تعكس روح الصمود والإرادة لدى الطلاب وأسرهم، وتؤكد أن هذه الشهادة ما زالت تحتفظ برونقها الخاص رغم كل التحديات.
في جوبا، جلس المواطن وليم لام، البالغ من العمر 60 عاماً، لامتحانات الشهادة السودانية، بعد أن انقطع عن الدراسة قبل أربعة عقود بسبب مسؤوليات أسرية، ليعود اليوم محققاً حلمه، في مشهد يجسد الإصرار ويعيد ربط شطري الوطن بروح العلم والمعرفة.
وفي مسقط بسلطنة عمان، جلس 112 طالباً وطالبة لامتحانات الشهادة السودانية، من بينهم طلاب من جنسيات عربية مختلفة، ما يعكس استمرار السمعة الأكاديمية لهذه الشهادة، وقدرتها على فتح أبواب الجامعات أمام حامليها داخل السودان وخارجه.
أما في الخرطوم، فقد شارك الأستاذ ياسر محمد الأمين، أمين مجلس الأشخاص ذوي الإعاقة بولاية الخرطوم، في مراسم قرع جرس انطلاق امتحانات الشهادة الثانوية المؤجلة للعام 2024، وذلك في مركزي تأهيل المكفوفين بالخرطوم بحري ومعهد الأمل للصم بالسجانة، في تأكيد على شمولية التعليم وإتاحة الفرص للجميع.
وفي دلقو شمال السودان، خطف الطالب أزهري محمد عبد الله الأنظار بإصراره على الجلوس للامتحان رغم فقدانه للبصر، متحدياً الإعاقة ومؤكداً أن البصيرة قد تتجاوز البصر، في نموذج ملهم لقوة الإرادة والعزيمة.
وفي كوستي، قطعت الطالبة مآب مسافة طويلة من مدينة نيالا بجنوب دارفور إلى النيل الأبيض خلال 16 يوماً، لتصل إلى مركز الامتحان، في رحلة تجسد معاني الصبر والتحدي والإصرار على النجاح.
وفي كسلا، لم تمنع الجدران 11 نزيلاً من مواصلة التعليم، حيث جلسوا لامتحانات الشهادة السودانية داخل السجن، مؤكدين أن العلم يظل طريقاً للإصلاح وإعادة بناء المستقبل.
كما شهدت كوستي مبادرة مجتمعية لأصحاب الركشات الذين قدموا خدمة نقل الطلاب مجاناً، بينما وفّر شباب بورتسودان مياه الشرب للممتحنين، وتكفلت مبادرات شبابية في كسلا بتوزيع العصائر، في مشاهد تعكس تلاحم المجتمع حول الطلاب.
وفي المحصلة، تتعدد هذه المشاهد وتتنوع، لكنها تلتقي عند حقيقة واحدة: أن الشهادة السودانية ليست مجرد امتحان، بل جسر يربط أبناء الوطن، ومصدر فخر ،وشمعة تضيء طريق الأمل، وتؤكد عظمة الإنسان السوداني في مواجهة الظروف.