د. عثمان احمد صديق يكتب:السودان ما بعد النار: من منطق الصراع إلى ثقافة البناء.. هل تفيق النخبة الوطنية؟ لتنفيذعملية نقل البلاد من حالة “ما بعد الحرب” إلى حالة “ما قبل النهضة”
عملية نقل البلاد من حالة “ما بعد الحرب” إلى حالة “ما قبل النهضة”
في كل محطة انتقالية حرجة من تاريخ الأمم، تبرز لحظات حاسمة يكون فيها الفارق بين العبور إلى بر الأمان أو العودة إلى دوامة التخريب هو درجة إدراك النخبة الحاكمة والقوى السياسية الفاعلة لطبيعة المرحلة. والسودان اليوم، بعد أن اكتوى بنيران حرب طاحنة شتتت شمل أبنائه، وخربت بنيته التحتية، وتركت جروحًا غائرة في نسيجه الاجتماعي، يقف على أعتاب واحدة من هذه اللحظات المصيرية. يبدو أن الدروس التي قدمتها السنوات الماضية بكل مرارتها لم تذهب سدى، حيث بدأت تعلو أصوات تنادي بفهم جديد لمقومات البناء الحقيقي. فالسودان ليس “كعكة” تُقتسم بين المنتصرين والمهزومين، داخليًا أو إقليميًا، بل هو ورشة عمل ضخمة تحتاج إلى جميع سواعد أبنائه. المناصب الدستورية، تشريعية كانت أم تنفيذية، ليست غنائم حرب، بل هي أدوات خدمة وأمانة ثقيلة. إن المعركة الحقيقية التي يجب أن تخوضها النخبة السودانية الآن هي معركة الاقتصاد والتعليم والتكاتف وإعلاء قيم الدولة فوق المصالح الضيقة. هذا هو التحدي الجديد، وهذا هو امتحان الوعي التاريخي الذي تواجهه الطبقة السياسية.
الجذور: ثقافة “الكعكة” وأزمة الدولة ما بعد الاستقلال:
لفهم عمق التحول المطلوب، لا بد من العودة إلى جذور الإعياء السوداني. منذ لحظة الاستقلال، وقعت النخب الحاكمة، باختلاف أطيافها، في فخ اختزال الدولة في “كعكة” السلطة والموارد. أصبحت السياسة لعبة محصلتها صفر، حيث الفوز للفريق الواحد يعني خسارة الآخرين لكل شيء. هذا المنطق أدى إلى ترسيخ ثقافة الإقصاء والتهميش، وتحولت المناطقية والقبلية والطائفية من هويات ثراء اجتماعي إلى أدوات حزبية لتعبئة الناخبين وشرعنة الهيمنة. لم تُبنَ مؤسسات وطنية قوية قائمة على الكفاءة والمواطنة المتساوية، بل تم اختزال الوطن في دوائر ولاء ضيقة. كانت النتيجة سلسلة لا تنتهي من الصراعات: حروب أهلية، انقلابات عسكرية، احتجاجات شعبية دموية، وانفصال جزء عزيز من الوطن. لقد دفع المواطن السوداني الثمن من دمه وعرقه وأمنه ومستقبل أبنائه، بينما ظلت لعبة “تقسيم الكعكة” مستمرة، بل وتعقدت بفعل تدخلات أطراف إقليمية ودولية رأت في السودان ساحة لنفوذها أو حلبة لتصفية حساباتها.
مقومات البناء الحقيقي: الاقتصاد، العلم، التكاتف:
إذا كان تجاوز الماضي يتطلب نبذ ثقافة “الكعكة”، فما هو البديل؟ البديل هو التحول إلى ثقافة “ورشة البناء”. وهذه الورشة تقوم على أربعة أعمدة رئيسية لا يمكن فصلها:
1. الاقتصاد: إعادة الإعمار وتحرير الطاقات: لا سلام حقيقيًا مع الجوع. الأولوية الملحة هي وقف النزيف الاقتصادي وبناء اقتصاد منتج يحول الموارد الهائلة للسودان (زراعية، معدنية، بشرية) إلى رفاه للمواطن. هذا يتطلب سياسات جريئة لإصلاح النظام المصرفي، جذب الاستثمارات المنتجة وليس الريعية، دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة بطريقة عادلة جغرافيا. يجب أن تكون الأولوية لتوفير الخبز والدواء والكهرباء والماء، فهذه هي الشروط المادية لأي مصالحة وطنية.
2. العلم والمعرفة: محاربة الجهل وإطلاق العقل: السودان الذي يحلم بالمستقبل لا يمكن أن يبنى بأمية تزيد عن المعدل الطبيعي للدول التي تسعى للنهضة و التقدم، أو بنظام تعليمي متهالك. المعركة الحقيقية هي معركة العقل. هذا يعني استثمارًا ضخمًا وجادًا في التعليم من مراحله الأولى حتى الجامعي والبحث العلمي. يعني تأهيل المعلم، وإصلاح المناهج لترسخ قيم المواطنة والسلام والتفكير النقدي، ودعم مراكز البحث لتقديم حلول لمشكلات السودان التنموية. الدولة التي تهمل علمها محكوم عليها بالتخلف والتبعية.
3. التكاتف وإنكار الذات: من “الأنا” إلى “النحن”: هذا هو أصعب تحول ثقافي مطلوب، خاصة لدى النخب السياسية. يجب استبدال منطق الولاءات الأولية (القبلية، المناطقية، الحزبية الضيقة) بمنطق الولاء للوطن. إنكار الذات هنا لا يعني إلغاء الهوية، بل يعني تقديم المصلحة الوطنية العليا على المكاسب الشخصية أو الحزبية الضيقة. يجب أن يتسابق السياسيون على “خدمة” الوطن، لا على “امتلاكه”. هذا يتجلى في القدرة على تقديم التنازلات من أجل الصالح العام، وتشكيل تحالفات وطنية واسعة قائمة على برامج عمل وليس على توزيع المناصب.
4. الدولة المؤسسية: المنصب أمانة لا غنيمة: يجب إعادة تعريف مفهوم “المنصب الدستوري” في الوعي الجمعي. الوزير، النائب، المدير العام – هؤلاء ليسوا “أسيادًا” بل “خدم”. مسؤوليتهم هي إدارة قطاعهم بأعلى معايير الكفاءة والنزاهة والشفافية. بناء الدولة يعني بناء مؤسسات قوية تحكمها القوانين واللوائح، وليس الأهواء والأوامر الفردية. يجب أن يشعر المواطن أن هذه المؤسسات تخدمه وتحميه، لا أن تستغله أو تقصيه.
دعوة لليقظة والمسؤولية التاريخية:
السودان اليوم أمام مفترق طريق تاريخي. إما أن تستوعب النخب السياسية والفكرية والاجتماعية الدرس بكل عمقه، فتبدأ في عملية نقل البلاد من حالة “ما بعد الحرب” إلى حالة “ما قبل النهضة”، عبر تبني مشروع وطني جامع يركز على اقتصاد الحياة وعلم المستقبل وتكاتف الأبناء. وإما أن تستمر في لعبة المكاسب قصيرة المدى، وتقسيم “الكعكة” الوهمية، لتدفع الأجيال القادمة ثمناً باهظاً لجهلها وتقصيرها.
المواطن السوداني، الذي تحمل الويلات، لم يعد يقبل بالوعود الجوفاء. هو ينتظر فعلًا مختلفًا، لغة جديدة، ورشة عمل حقيقية يشعر فيها بأنه شريك وفاعل. المعركة الآن هي معركة وعي وإرادة. على السياسي أن يدرك أن زمن “السياسة فقط” قد ولى. زمن البناء قد أتى، وهو زمن لا مكان فيه للأنانية والانقسام. إنها مسؤولية تاريخية لا تحتمل التأجيل. فإما أن تفيق النخبة لتدفع مع أبناء شعبها عجلة البناء، أو تُسقط نفسها وتُسقط معها آخر أمل في دولة السودان الموحدة، الآمنة، المستقرة. الخيار الآن بين البناء على الرماد، أو الرجوع إلى الحرق.