مساء أمس الأول، تلقيت عددًا من الرسائل عبر تطبيق واتساب من أساتذة يسألون عن كيفية التقديم لوظائف بالكويت. لم أستطع الرد على أي منهم لعدم معرفتي بتفاصيل الموضوع. عدت إلى منصة مختصة بالتعليم الخاص كنت قد أنشأتها قبل الحرب، ولم أطلع عليها منذ فترة، وتديرها زميلتي “مياه النيل مبارك” ويوجد بها رقم هاتفي. بالفعل وجدت خبرًا عن رغبة مدرسة النجاة الخاصة بالكويت في التعاقد مع أساتذة سودانيين ممن لجأوا إلى القاهرة.
بعد أن استفسرت من زميلتي مياه النيل مبارك، المشرفة على المنصة، وحصلت على المعلومات كاملة، عدت للرد على الأسئلة وإرسال التفاصيل لمن يطلبها. ومنذ ذلك الحين وحتى نهار اليوم الاثنين، تلقيت أكثر من 200 رسالة تعاملت معها بحرص واهتمام، فلم أتجاهل أي رسالة، لأن من يسأل هم معلمون، وواجبنا أن نتعامل معهم بكل تقدير.
لكن والله العظيم، ولأول مرة أشعر بحسرة وأسى وأنا أقرأ رسائل الأساتذة الأجلاء الذين اعتقد بعضهم أنني المسؤول عن الوظائف. هذا يرسل سيرته الذاتية التي تقف أمامها مندهشًا من عظمة صاحبها، وتلك تشير إلى حاجتها الماسة للوظيفة بسبب ظروفها، وآخر يوضح خبرته في العمل خارج السودان من قبل. منهم أساتذة شباب، وآخرون أصحاب خبرة، وفئة ثالثة تقاعدت للمعاش، بالإضافة إلى معلمات.
كنت أجد حرجًا بالغًا في الرد، فاكتفيت بإرسال المعلومات تقديرًا لكل من سأل، وإدراكًا مني لحجم المعاناة التي يتكبدها كل واحد منهم في حياته، وتمسكهم بالأمل في إيجاد فرص عمل حتى لو خارج البلاد لتحسين أوضاعهم. كنت أقرأ رسائلهم وأتحسر، وأشعر بالألم على واقع المعلم في السودان، ووصوله إلى هذه المرحلة من البؤس التي تدفعه إلى طرق أبواب الهجرة بحثًا عن أدنى مقومات الحياة الكريمة التي يفتقدها في وطنه.
المعلم السوداني يعاني في كل شيء؛ هو أقرب إلى شمعة تحترق بصمت لتضيء لنا الطريق. يتألم ويبكي ويمسح دمعته دون أن يجد من يخفف عنه أو يربت على كتفه أو يهتم بتغيير واقعه. ولا أعتقد أن دولتنا يمكن أن تنهض كما فعلت الدول الأخرى في ظل إهمال التعليم وتجاهل المعلم، الذي ما يزال يتلقى في الشهر جنيهات لا تكفي منصرفات يوم واحد. وإذا استمر الوضع بهذا الواقع المؤسف، أخشى أن تزداد وتيرة تسرب الأساتذة من سلك التعليم الذي لم يعد جاذبًا.
مجرد أن يتقاضي المعلم في الدرجة الثالثة 140 ألف جنيه في الشهر، فهذا مؤشر خطير يوضح أن التعليم في السودان حقيقة في خطر.
لكل معلمي بلادي: كان الله في عونكم.