قد يبدو الخبر عادياً لغير المتخصصين في الاقتصاد من أمثالنا، لكنه في الحقيقة رقم يفرض نفسه بقوة، ويستدعي التوقف عنده ملياً، لما ينطوي عليه من مؤشرات عميقة تستحق التحليل والدراسة.
فقد جاء في الخبر أن اتحاد الغرف الصناعية في السودان كشف عن قفزة كبيرة في حجم استثمارات السودانيين في مصر، حيث ارتفعت إلى نحو 40 مليار دولار حالياً، مقارنة بـ23 مليار دولار فقط عند بداية الحرب في أبريل 2023. ورغم هذا التوسع، استبعد الاتحاد عودة المصانع السودانية العاملة في مصر إلى البلاد في المدى القريب. وأوضح الأمين العام للاتحاد، عباس علي السيد، في تصريح لـ”سودان تربيون”، أن هذه الاستثمارات الضخمة لم تقابلها تسهيلات ملموسة من الجانب المصري.
هذا ليس خبراً ساراً بالضرورة، لكنه بالتأكيد خبر مهم. فالرقم المذكور يعادل ميزانية الدولة السودانية لعدة أعوام، وهو مبلغ ضخم كان يمكن – حتى لو عاد نصفه فقط – أن يُحدث نقلة نوعية غير مسبوقة في مختلف القطاعات الاقتصادية.
صحيح أن الظروف التي تمر بها البلاد تُعد سبباً رئيسياً في هجرة رؤوس الأموال إلى الخارج، وعلى رأسها مصر، لكن هذا الرقم يكشف أيضاً عن حقيقة مهمة: أن القطاع الخاص السوداني يمتلك قدرات مالية كبيرة لم تُستثمر بعد بالشكل الذي يخدم الاقتصاد الوطني.
بدلاً من الغرق في التحليلات النظرية، الأجدر أن نركز على سؤال عملي: كيف يمكن استعادة جزء من هذه الأموال إلى الداخل؟.
هنا تبرز مسؤولية الحكومة، التي تعمل وتجتهد حالياً على تهيئة البيئة لعودة الحياة الطبيعية، خاصة في الخرطوم بحكم ثقلها السكاني والاقتصادي. وهو أمر جيد ومحل تقدير، لكنه وحده لا يكفي.
المطلوب بشكل عاجل فتح قنوات تواصل مباشر مع رجال الأعمال السودانيين في الخارج، خاصة الذين نقلوا استثماراتهم بعد اندلاع الحرب إلى مصر وغيرها من الدول.
كما ينبغي إيفاد وفود رسمية تضم خبراء اقتصاديين ومسؤولين، يكون هدفها الاستماع وبناء شراكة حقيقية مع هؤلاء المستثمرين في رسم خارطة الاقتصاد الوطني.
فالحوار الجاد قد يقود إلى تفاهمات عملية تُسهم في إعادة جزء من هذه الأموال للاستثمار في قطاعات حيوية مثل الصناعة، والزراعة، والثروة الحيوانية.
لنفترض – فقط على سبيل المثال – أن الحكومة نجحت في استقطاب 10 مليارات دولار من هذه الاستثمارات؛ فإن هذا الرقم وحده كفيل بإحداث انتعاش اقتصادي ملموس، وتوفير آلاف فرص العمل، ودعم برامج العودة الطوعية. إذ لا يمكن الحديث عن عودة مستقرة دون توفير مصادر دخل حقيقية.
خلاصة القول: إن وجود استثمارات سودانية بهذا الحجم في الخارج، خاصة في مصر، ليس مؤشراً سلبياً بالكامل، بل يمكن النظر إليه كفرصة كامنة. فهو دليل على أن رأس المال السوداني موجود وقادر على التحرك، وما ينقص فقط هو البيئة الجاذبة والثقة الكافية لإعادته.
إذا نجحت الدولة في استقطاب حتى 20% من هذه الأموال، فإن الاقتصاد السوداني قد يشهد تعافياً أسرع مما نتوقع.