في عمق شرق النيل، حيث تتربع قبيلة البطاحين على أرض الشهامة والمروءة، حيث تاريخٌ حافل بمكارم الأخلاق يرويه الأجداد للأحفاد، حيث مدينة أبو دليق التاريخ شامخة تروي حكايات المجد الأصيل، وفي منطقة عقاب التي لا تنسى مواقف رجالها… حدث ما أذهل العقول وأحار الحكماء، ووقف العالم مندهشًا أمام مشهد لم تعهده كتب التاريخ في كثير من بطون الكتب.
يوم الحزن الذي سبق الفجر
لا أنسى هذا اليوم، ولا ينساه أحد من أبناء البطاحين. يوم ارتجت له الأرض تحت أقدامنا، ويوم نعيت إلينا فاجعة هزت كيان القبيلة كلها. رحل عنا الفقيد الشهيد عبدالواحد خالد ابوزيد، ذلك الغصن الناضر الذي اقتطفته يد المنون قبل أوانه. كان موته –رحمه الله– صدمة مدوية، أطبقت الاحزان على قلوب الصغار قبل الكبار، وأبكت العيون التي لم تعرف البكاء منذ سنين.
وتذكرنا قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. فكانت القبيلة بأسرها جسدًا واحدًا، كل فرد يشعر بألم الآخر، وكل بيت يشارك جاره حزنه. الأعيان والعمد وشيوخ العرب، وناظر عموم قبيلة البطاحين، كلهم اجتمعوا على قلب رجل واحد، يتجرعون مرارة الفراق، ويواسي بعضهم بعضًا في مصاب لم يكن يتوقعه أحد.
الألم كان فادحًا، والجرح غائرًا، والفراق صعبًا. في مثل هذه المواقف، حين تعصف بنا رياح الفقد، تظهر معادن الرجال، وتنكشف حقيقة النفوس، وتتحدد ملامح القبيلة التي تؤكد يوما بعد يوم أنها ترث الشهامة عن آبائها وأجدادها. وقد كان.
حين أشرقت شمس العفو في أرض البطاحين
في اليوم الذي كان منتظرًا، اليوم الذي كان الجميع يترقب فيه ردود الأفعال، اليوم الذي ظن فيه كثيرون أن الدم سيسيل وأن الثأر سيكون لزامًا… في هذا اليوم، أشرقت شمس العفو من منطقة عقاب، وتجلى النور في قلوب العركشاب، ووقفوا موقفًا لم يتوقعه أحد، موقفًا جعل الأعداء قبل الأصدقاء يرددون: “ما أعظمهم، ما أكرمهم، ما أطهر أيديهم وأنقى قلوبهم”.
لقد عفوا. عفوا قبل أن يُسألوا، عفوا وهم في قمة ألمهم، عفوا ودمعة الفراق ما زالت تنساب على خدودهم، عفوا وهم يعلمون أن العفو ليس ضعفًا بل قوة، وأن التسامح ليس هوانًا بل عزًا ورفعة.
العفو الذي صدر عن آل العركشاب لم يكن عفوًا عاديًا، لم يكن تنازلاً في غير موضعه، بل كان عفوًا في أبهى صوره، في أسمى معانيه، في أروع تجلياته.
لماذا كان عفو العركشاب فريدًا؟
لو تأملنا هذا العفو بعين البصيرة، لوجدنا فيه من الخصال ما يجعله مضربًا للمثل، وعلماً يرفرف في سماء القبيلة يهتدي به السائرون:
أولاً: كان العفو سريعًا كالبرق الخاطف
ففي الوقت الذي كان الجميع ينتظرون أن تأخذ الأمور مجراها التقليدي، أن تتباطأ الخطوات، أن تتروى القلوب، أن تدرس المواقف وتوزن الكلمات… فوجئ الجميع أن العركشاب لم يمنحوا أنفسهم فرصة التردد، لم ينتظروا حتى تجف دموعهم أو تندمل جروحهم. بل كان العفو سريعًا، لم يبطئ به الزمن، لم تؤخره الاعتبارات القبلية، لم تثنه الحسابات الدنيوية.
وهذه سمة الأبطال حقًا، فسرعة العفو دليل على نقاء القلب وصدق النية. الذين يطيلون التفكير في العفو غالبًا ما يتسلل إلى قلوبهم سموم التردد، وتغلب عليهم شهوة الانتقام، فيضيع العفو بين أمواج الغضب. لكن العركشاب كانوا أسرع من كل ذلك، كأن نورًا إلهيًا أضاء دروبهم فلم يترك مجالاً للشيطان أن يوسوس، أو للنفس أن تتمادى.
ثانيًا: كان العفو لوجه الله وحده
هذا هو السر الأعظم. لم يطلب العركشاب مقابلًا، لم يضعوا شروطًا، لم يتفاوضوا على تعويض، لم يشترطوا دمًا بدم أو جرحًا بجرح. كان عفوًا خالصًا لوجه الله الكريم، عفوًا لا تلوثه الدنيا ولا تشوبه المصالح.
“وأن تعفوا أقرب للتقوى”، صدق الله العظيم. والعفو الذي يبتغي به صاحبه وجه ربه هو العفو الذي يزن في ميزان الحسنات يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. والعركشاب أتوا بقلوب سليمة، نقية من الغل والحقد، طاهرة من الضغائن والأحقاد، فأعطوا درسًا في الإخلاص لله قبل أن يكون درسًا في الشهامة والمروءة.
ثالثًا: كانت الدعوة منهم لا إليهم
وهذه لفتة تستحق الوقوف عندها طويلاً. فالعفو العادي أن يأتي المخطئ إلى من أخطأ في حقه، يطلب الصفح ويتوسل الغفران. أما العفو الأعظم، عفو الكرام، فهو أن يأتي أهل الحق إلى المخطئين ويدعوهم إلى العفو! أن يمدوا أيديهم بالسماح قبل أن تمد إليهم الأيدي بالاعتذار.
العركشاب لم ينتظروا حتى يأتيهم أحد، لم يجلسوا في بيوتهم ينتظرون من يسألهم الصفح، بل بادروا هم أنفسهم، وتحركوا بأنفسهم، وقالوا للعالم بأفعالهم وليس بأقوالهم: “نحن أهل العفو والسماح، نحن الذين نأتي بالخير قبل أن يطلب منا، نحن الذين نبادئ بالكرم قبل أن نُسأل”.
هذا هو عفو الكبار، عفو من لا ينتظر من الآخرين شيئًا لأن عطاءهم من عند الله ومن أخلاقهم التي غرستها الآباء فيهم منذ نعومة أظفارهم.
لوحة جمالية من صنع البطاحين
توقف أيها القارئ وتأمل هذا المشهد المهيب. تخيل الموقف بعين قلبك قبل عين رأسك:
على أرض عقاب، تحت سماء أبو دليق التي شهدت مئات السنين من البطولة والشهامة، اجتمعوا: الصغار والكبار، الأعيان والعمد، شيوخ العرب، وناظر عموم قبيلة البطاحين. اجتمعوا كلهم على قلب رجل واحد، ليصنعوا لوحة لم يرسمها فنان، ولم يبدعها رسام، لأنها لوحة صنعتها القلوب قبل الأيدي، وصنعتها النفوس الكبيرة قبل الأحبار والألوان.
في هذه اللوحة، كان الفقيد الشهيد حاضرًا بروحه، يحلق فوق الجميع ويبتسم. كان حاضرًا لأن العفو الذي صدر عن أهله جعله حيًا في قلوبهم، وجعل ذكراه خالدة في صفحات المجد. إن الكرماء لا يموتون، وإنما يتحولون إلى قصص تروى، ومآثر تخلد، وأخلاق تورث.
وفي هذه اللوحة، كان العفو هو البطل، والتسامح هو النجم الذي أضاء سماء القبيلة. لوحة تتشكل من ملامح الصامدين، من عيون الباكين، من قلوب الراضين بقضاء الله وقدره. لوحة تقول لكل من يظن أن القوة في الانتقام: كلا، القوة الحقيقية في أن تملك نفسك حين تغضب، وأن تسامح حين تقدر، وأن تعفو حين تظلم.
دروس مستفادة من يوم العفو الأعظم
الدرس الأول: العفو يليق بالكرام
كم من نزاعات دامت سنين، وكم من ثارات أهلكت الحرث والنسل، وكلها كانت ستزول بكلمة واحدة: “سامحتك”. العركشاب أعطوا العالم درسًا بليغًا في أن العفو ليس علامة ضعف بل هو قمة القوة، ليس انكسارًا بل هو أعلى درجات العزة.
الدرس الثاني: المبادرة بالخير من شيم الأبطال
لم ينتظروا حتى تأتيهم رسل الصلح، لم ينتظروا وساطة أحد، بل كانوا هم المبادرين، هم الساعين، هم الداعين إلى العفو. وهذه شهامة لا يصل إليها إلا من تربى على مكارم الأخلاق منذ نعومة أظفاره.
الدرس الثالث: فقدان الأعزاء يختبر معادن الرجال
الفاجعة كانت أليمة، والفقد كان كبيرًا، والجرح كان غائرًا. لكن في عمق الألم تظهر العظمة الحقيقية. ليس العظيم من يبكي فقط، بل العظيم من يبكي ثم يمسح دموعه ليصنع من ألمه جسرًا إلى السماح، ومن جراحه نافذة ينفذ منها النور إلى قلوب الآخرين.
الدرس الرابع: القبيلة الواحدة جسد واحد
ما أجمل هذا التماسك، وما أروع هذا التراحم. لقد أثبت البطاحين أنهم بالفعل كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. الفاجعة كانت فاجعة الجميع، والعفو كان عفو الجميع، والفرحة بالصلح كانت فرحة لم تشمل القبيلة فقط بل كل من سمع بهذا الموقف النادر.
ذكرى الحبيب المصطفى في يوم العفو
في هذا اليوم العظيم، تذكرنا نحن البطاحين، وتذكر كل من شهد هذا الموقف المهيب، سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا صلى الله عليه وسلم. تذكرناه في أحلى وأعظم مواقفه، يوم فتح مكة، يوم دخلها منتصرًا، والذين آذوه وأخرجوه ووقفوا في وجهه سنين طوال كانوا بين يديه خاضعين مستسلمين. ماذا قال لهم؟ ماذا فعل بهم؟
قال لهم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”. لم يثأر، لم ينتقم، لم يعاقب، بل عفا وصفح وتسامى فوق الألم وقوة الانتصار. هذا هو نبينا الذي أرسى قيم العفو والتسامح في قلوب أمته، وجعلها من أسمى مكارم الأخلاق.
وتذكرنا قوله صلى الله عليه وسلم: “الخير في وفي أمتي إلى قيام الساعة”. ويوم العفو هذا كان خيرًا خالصًا، ورحمة مستمدة من رحمته، وسماحًا نابعًا من سنته. لقد كان البطاحين في هذا اليوم من خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤثرون العفو والسماحة على القسوة والانتقام.
العفو في ضوء القرآن والسنة
والله سبحانه وتعالى يحب العفو ويحب أهله. يقول في كتابه العزيز: “وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ”. ويقول: “فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ”. ويقول: “وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ”.
العركشاب لم يقرؤوا هذه الآيات فقط، بل عاشوها وتفاعلوا معها، وجعلوها دستورًا لحياتهم. حين عفوا، كانوا يبتغون مغفرة الله، وحين سامحوا، كانوا يرجون رحمة الله. ومن يفعل ذلك فله عند الله الأجر العظيم، والعزة في الدنيا والآخرة.
نداء إلى كل من سمع بهذا الموقف
إلى كل القبائل والعشائر، إلى كل المجتمعات والأمم، إلى كل من سمع بقصة عفو العركشاب وموقف البطاحين: ليتخذوا من هذا اليوم عبرة، ومن هذا الموقف درسًا.
كم من دماء أريقت بسبب ثارات قديمة، وكم من أرواح أزهقت بسبب نزاعات لا تذكر، وكم من عائلات دمرت بسبب خلافات كان يمكن أن تنتهي بكلمة “سامحت”. العفو أسهل مما تتصورون، وأجمل مما تتخيلون، وأعظم أجرًا مما تحسبون.
إن العفو لا يضيع، بل يبقى في ميزان الحسنات، ويخلد في ذاكرة التاريخ، ويورث محبة في قلوب الناس. والعركشاب والبطاحين اليوم هم خير مثال على ذلك. ذكرهم سيبقى عاطرًا، وسيرتهم ستتناقلها الأجيال، وموقفهم سيكون مدرسة يتعلم منها كل من يريد المجد والشرف.
خاتمة: يوم لا يُنسى
ما أحزن ذلك اليوم عندما نعينا فقيدنا الغالي، وما أحزن ليلة الفراق التي سهرنا فيها باكين متوجعين. ولكن ما أجمل اليوم الذي تلاه، يوم الصلح العظيم، يوم العفو الأعظم، يوم أزاح الهم والغم عن كل ابناء البطاحين، وأراح القلوب المتعبة، وطمأن النفوس الحزينة.
اللهم ارحم فقيدنا الشهيد عبدالواحد خالد ابوزيد، واسكنه فسيح جناتك، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان. اللهم اجز العركشاب خير الجزاء على موقفهم العظيم، وأيدهم بنصرك وتأييدك، واجعلهم قدوة حسنة في كل زمان ومكان. اللهم اجمع كلمة البطاحين على الخير والبركة، واحفظهم من كل مكروه وسوء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، الذي جعل من هذه القبيلة نموذجًا مشرفًا للعفو والتسامح، والذي ألهمهم هذا الموقف العظيم الذي سيذكر لهم إلى قيام الساعة. إنهم أهل للخير، وأهل للمجد، وأهل للعزة والشرف. فطوبى لهم، وطوبى لكل من سار على دربهم واقتفى أثرهم.
والخير فينا وفي أمتنا إلى قيام الساعة، ما دام فينا من يتذكر سيرة نبيه، ويقتدي بهديه، ويسير على سنته. فاللهم اجعلنا منهم، ولا تجعلنا من الغافلين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.