الأمل نيوز
الأمل نيوز

د. عثمان احمد صديق يكتب: شرق النيل تشرق علماً

 

 

في ظل صمت عالمي يكاد يكون مطبقاً، يستمر السودان في مواجهة تداعيات حرب طاحنة لم تترك شيئاً إلا وشوهته، لا سيما مستقبل الأطفال الذين حُرموا من أبسط حقوقهم: الحق في التعليم. في مشهد يختزل مأساة جيل كامل، يجلس ثلاثون طالباً وطالبة في فصل دراسي بمدرسة عد بابكر، يتطلعون بشغف إلى شاشات “تابلت”، يحاولون تعويض سنوات الضياع الأكاديمي التي تسببت فيها الحرب. هؤلاء الأطفال، الذين أصبحت طفولتهم رهينة الصراعات، يخوضون الآن معركة مختلفة: معركة ضد الزمن، لاستعادة ما فقدوه من معارف ومهارات، ولتجنب مصير الجهل الذي يهدد بتحويلهم من عناصر بناء للمستقبل إلى معول هدم. هذه ليست قصة فصل دراسي عادي، بل هي قصة مشروع إنقاذ تربوي طموح، تتعاون فيه منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) مع وزارة التربية والتعليم السودانية ومنظمات صدقات محلية، لتنظيم فصول التعليم الافتراضي، كحل مبتكر لإعادة الفاقد التربوي الناجم عن الحرب وآثارها الاقتصادية والاجتماعية إلى المسار الأكاديمي والعلمي.

 

سنوات الضياع… جيل في مهب الحرب

بعد سنوات من الحرب وجد ملايين الأطفال أنفسهم خارج أسوار المدارس، إما بسبب تدمير البنى التحتية التعليمية، أو نزوح عائلاتهم، أو الحاجة الملحة للعمل للمساعدة في إعالة الأسرة في ظل الظروف الاقتصادية القاسية. هؤلاء الأطفال لم يفقدوا سنوات دراسية فحسب، بل فقدوا أيضاً الشعور بالأمان والاستقرار النفسي والاجتماعي، مما خلق فجوة عميقة في نموهم المعرفي والعاطفي.

وفي مناطق مثل عد بابكر وغيرها، تحولت المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين، أو تعرضت للنهب والتخريب، أو أصبحت خطرة بسبب القصف. ومع توقف العملية التعليمية، تفاقمت المشكلات الاجتماعية، وزادت معدلات عمالة الأطفال وزواج القاصرات، مما هدد بضياع جيل كامل، ليصبح عرضة للتجنيد من قبل الجماعات المسلحة أو الوقوع في براثن الجهل والتطرف. إنها معادلة خطيرة: جيل غير متعلم يعني مجتمعاً ضعيفاً، قابلاً للانهيار، وغير قادر على البناء أو المساهمة في أي عملية تنموية مستقبلية.

 

مشروع التعليم الافتراضي كحل طارئ ومبتكر

في خضم هذا الظلام، بدأت تظهر ومضات أمل، تمثلت في مبادرات مثل مشروع التعليم الافتراضي الذي تنظمه اليونيسف بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم ومنظمات محلية. يهدف هذا المشروع إلى استخدام التكنولوجيا كجسر عبور فوق فجوة الحرب التعليمية. ففي وقت قد يستغرق إعادة بناء المدارس وتأهيل المعلمين سنوات، يمكن للتعليم الافتراضي أن يوفر حلاً سريعاً وفعالاً، خاصة في المناطق التي لا تزال تشهد تهديدات أمنية أو تعاني من نقص حاد في الموارد.

وقد تم اختيار مدرسة عد بابكر لتكون نموذجاً رائداً لهذا المشروع، حيث تم تجهيز فصل خاص يتسع لثلاثين طالباً، وتزويده بـ 30 جهاز “تابلت” وسماعات للأذن، لتكون وسائل تعليمية تساعد الطلاب على متابعة الدروس. هذا النموذج لا يعتمد فقط على تقديم المحتوى، بل يسعى إلى خلق بيئة تعليمية تفاعلية، تحاكي إلى حد ما الفصل التقليدي، ولكن بمرونة أكبر.

منهج للأزمة… تصميم محتوى يتناسب مع جراح الطلاب

إدراكاً للظروف النفسية الصعبة التي يمر بها الطلاب، لم تكن عملية إعداد المنهج لهذا البرنامج مجرد نقل للمناهج التقليدية إلى شكل رقمي. بل قامت منظمة اليونيسيف، بخبراتها المتراكمة في العمل في مناطق النزاع، بإعداد منهج “جذاب وشيق”، كما وصفه القائمون على المشروع. هذا المنهج لا يركز فقط على المهارات الأكاديمية الأساسية في المواد مثل الرياضيات والعلوم واللغة العربية، بل يأخذ في الاعتبار الجانب النفسي والاجتماعي للطلاب.

من المحتمل أن يشتمل المنهج على أنشطة تعزز المرونة النفسية، وتعالج بعض آثار الصدمة التي تعرض لها الأطفال. كما أنه قد يكون مصمماً بطريقة تراعي الفجوات التعليمية المختلفة بين الطلاب، حيث أن بعضهم قد يكون قد فقد سنة أو سنتين، بينما قد يكون آخرون خارج المدرسة منذ بداية الحرب. الهدف هو بناء جسر تعليمي يمكن الطلاب من العودة التدريجية إلى المسار التعليمي النظامي، دون أن يشعروا بالإحباط بسبب التحديات الكبيرة.

 

التحديات والفرص… الطريق نحو الاستدامة

رغم الأمل الذي يبعثه هذا المشروع، إلا أنه يواجه تحديات جسيمة. أولها التحدي التقني، فاستمرارية البرنامج تعتمد على توفر الكهرباء وخدمة الإنترنت، وهما شيئان غير مستقرين في كثير من مناطق السودان. ثانيها التحدي البشري، حيث يحتاج الطلاب إلى دعم نفسي مستمر، وقد لا يكون المعلمون أو المشرفون على الفصول مؤهلين بالكامل للتعامل مع الحالات النفسية المعقدة. ثالثها التحدي اللوجستي، وهو تأمين الأجهزة وصيانتها، وحماية الفصول من أي تهديدات أمنية.

ولمواجهة هذه التحديات، يسعى المشروع إلى أن يكون شاملاً، فهو لا يستهدف فقط الطلاب المنتظمين، بل يفتح الباب أيضاً أمام “الطلاب الذين يعانون من ضعف في بعض المهارات الضرورية في المواد الأساسية”. كما أن تسهيل عملية التسجيل عبر مدرستي التباراب والريداب يهدف إلى توسعة نطاق الاستفادة.

 

التقييم المنتظم، المتمثل في الامتحان المزمع عقده بعد شهرين، سيكون محكاً حقيقياً لقياس مدى استفادة الطلاب ومراجعة كفاءة المنهج وطرق التدريس، مما يسمح بتطوير البرنامج بشكل مستمر.

أبعد من عد بابكر… نحو رؤية مستقبلية

مشروع عد بابكر “و المدارس الاخرى مثل الجريف شرق و غيرها”، رغم تواضع إمكاناته مقارنة بحجم الكارثة التعليمية، يعد نموذجاً يجب تعميمه وتوسيعه. إنه يثبت أن الإرادة والتعاون يمكن أن يخلقا حلاً حتى في أحلك الظروف. الاستثمار في تعليم الأطفال في مناطق الحرب ليس عملاً خيرياً فقط، بل هو استثمار في السلام المستقبلي. فالتعليم يمنح الأطفال خيارات، ويزودهم بالأدوات الفكرية لمقاومة خطاب الكراهية، ويمنحهم الأمل في غد أفضل.

 

المعرفة سلاحهم الوحيد

يقف طلاب عد بابكر وأقرانهم في المناطق الأخرى على خط المواجهة الأهم: مواجهة الجهل. هم يصارعون الزمن لتعويض سنوات الضياع، وهم يعلمون أن المعرفة هي السلاح الوحيد الذي يمكن أن يضمن لهم مستقبلاً كريماً، ويضمن لمجتمعهم الانطلاق نحو الاستقرار والتنمية. الدعم الذي تقدمه اليونيسف ووزارة التربية والتعليم والمنظمات الشريكة هو بمثابة شريان حياة لهذا الجيل.

لكن المسؤولية لا تقع على عاتق هذه الجهات وحدها. المجتمع الدولي، والمجتمع السوداني بكل مكوناته، مطالبون بتبني قضية تعليم أطفال الحرب كأولوية قصوى. هؤلاء الأطفال ليسوا ضحايا عابرين، هم بناة المستقبل، وعناصر التغيير. إما أن نساعدهم على أن يتسلحوا بالعلم والمعرفة ليكونوا عناصر بناء، أو أن نتخلى عنهم ليكونوا، عن غير قصد، معول هدم في مجتمع يحتاج لكل يد بناء. نحتاج الى القرار الآن، قبل أن يفوت الأوان.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.