الأمل نيوز
الأمل نيوز

في حضرة الناظر المنتصر وقبيلة البطاحين… البرهان يكتب في سجل أبو دليق: “صنائع المعروف تاج على رأس الوفاء”

 

 

 

 

كتب:الدكتور عثمان أحمد صديق

 

أبو دليق… قلب الخرطوم النابض ورئتها التي تتنفس هواءً نقياً بنقاء أهلها

في زمن تتلاطم فيه أمواج المحن، وتتعاقب فيه الخطوب لتختبر معادن الرجال وقيم الشعوب، تبرز أسماء وتتوه أخرى، تعلو قيم وتندثر عادات. غير أن هناك بقاعاً في هذا الوطن تظل شامخة كالطود الأشم، لا تزعزعها النوائب ولا تثنيها الخطوب. إنها “أبو دليق” تلك البلدة الصغيرة في حجمها، الكبيرة في عطائها، التي كانت وستبقى قلب الخرطوم النابض بالحياة، ورئتها التي تتنفس هواءً صباحياً نقياً، بنقاء كرم أهلها الذي لا تشوبه شوائب المن ولا الأذى.

في لفتة تحمل أسمى معاني الوفاء والتقدير، وفي زيارة تليق برجل يقدر العطاء ويصنع المعروف، حلّ قائد البلاد ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ضيفاً كريماً على حاضرة شرق النيل، ومقر نظارة البطاحين التاريخية، بلدة “أبو دليق”. لم تكن الزيارة مجرد محطة عادية في جدول أعمال القائد، بل كانت حدثاً تاريخياً بامتياز، حمل في طياته رسائل سامية ومعاني جليلة، تجلت فيها أسمى صور الوفاء لمن قدموا الغالي والنفيس في سبيل إخوانهم النازحين.

لقد جاءت هذه الزيارة لتؤكد المؤكد، وتثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن “صَنَائِعَ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ”، وأن لها الثواب في الآخرة، ولها الأثر الإنساني والاجتماعي العميق في نفوس من مزقت الحرب أحلامهم، وأحالت حياتهم إلى جحيم لا يطاق. ففي الوقت الذي كانت فيه أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم تعيش كابوس الحرب المرير، كانت “أبو دليق” بمثابة الفردوس المنشود، والملاذ الآمن لكل من فر بدينه وعرضه من ويلات النزاع.

عندما نزل القائد البرهان من طائرته، واستقبلته حناجر الأهالي بالهتافات والترحاب، كان المشهد أشبه بلوحة فنية بديعة رسمتها أيادي القدر. كان في مقدمة المستقبلين ناظر عموم البطاحين، الأب الروحي للمنطقة، إلى جانب كل أعيان القبيلة ومكوناتها الاجتماعية. بل إن المشهد كان أعظم من ذلك بكثير، إذ خرج كل البشر، وربما تزينت الحجارة والجماد لاستقبال القائد. كان يوماً مشهوداً رسم فيه الجميع لوحة بانورامية خلابة تدل على أن القادم أجمل، وأن التعاون والتعاضد والألفة وتقبل الآخر هي السبيل الوحيد لعبور هذه المرحلة العصيبة من تاريخ السودان.

تجول القائد في أرجاء البلدة، وتوقف مطولاً عند المشاءات الخدمية والبنية التحتية التي ظلت صامدة رغم كل التحديات. استمع إلى شرح وافٍ من المسؤولين عن واقع الخدمات في المنطقة التي استقبلت أعداداً هائلة من النازحين فاقت طاقتها الاستيعابية بأضعاف مضاعفة. وهنا كان المشهد الأكثر إنسانية، عندما وقف القائد على أحوال الناس واحتياجاتهم، وأصدر فوراً توجيهات عاجلة وواجبة النفاذ بتوسيع مستشفى “أبو دليق” كماً ونوعاً، وذلك بإضافة عنابر جديدة وتخصصات طبية نوعية تخدم إنسان هذه المنطقة المعطاء.

إن توسعة مستشفى “أبو دليق” لم تكن مجرد قرار إداري، بل كانت رسالة وفاء وعرفان لأهل العطاء الذين فتحوا بيوتهم وتكاياهم للنازحين دون مقابل. إنها رسالة واضحة لكل من يسهم في نهضة هذا الوطن، بأن الدولة تتفاعل مع أجهزتها المختلفة لتقدير هؤلاء الناس، وشكرهم، والاعتراف بجميلهم.

اللافت في محنة الحرب التي اجتاحت السودان، أن “أبو دليق” كانت نموذجاً فريداً يحتذى به في التكاتف الاجتماعي والتضامن الشعبي. ففي الوقت الذي تعالت فيه أصوات النشاز، وانتشرت فيه سماسرة الحروب الذين يستغلون معاناة الناس لتحقيق مكاسب رخيصة، كانت “أبو دليق” تشكل استثناءً عظيماً. لم تشهد البلدة في فترة الحرب العصيبة ظاهرة تأجير البيوت ، كما لم يحدث فيها استغلال لحاجة الناس لبيع الطعام والزاد . بل على العكس تماماً، فتحت التكايا أبوابها على مصراعيها، وأصبحت البيوت والمدارس والمرافق العامة ملاذاً آمناً لكل نازح.

لقد كان المشهد الإنساني في “أبو دليق” يحمل في طياته معجزة حقيقية. فقد تمكن أهل البلدة، بمجهوداتهم الذاتية، ودعم أبنائهم في بلاد المهجر الذين حولوا الأموال من أجل دعم التكايا وإطعام النازحين، من صنع نموذج فريد في العمل الإنساني. كانوا دولة حينما غاب دور الدولة بفعل الحرب، وكانوا الأمم المتحدة قبل أن تفكر المنظمات العالمية في إرسال معينات الحياة من مأكل وملبس ومشرب. لقد أثبتوا للعالم أن الشعب السوداني شعب معطاء بطبعه، وأن قيمة “النفير” والتكافل الاجتماعي لا تزال حاضرة بقوة في وجدان هذا الشعب الأبي.

التحية والتقدير لكل من ساهم في إطعام نازح، مهما كان دوره صغيراً أو كبيراً. التحية لربات البيوت اللواتي أمضين ساعات طويلة في المطابخ العامة يعدّن الطعام للمئات. التحية للشباب الذين تطوعوا في تنظيم قوافل الإغاثة وتوزيع المساعدات. التحية للتجار الذين فتحوا مخازنهم وقدموا ما لديهم دون انتظار مقابل. التحية لكل من استضاف في بيته نازحاً، وشاركه لقمة العيش ودفء المكان. التحية لأبناء “أبو دليق” في المهجر الذين لم ينسوا أهلهم ووطنهم في المحنة، وحوّلوا ما استطاعوا من أموال لتدوم التكايا وتستمر في عطائها.

إن ما صنعه أهل “أبو دليق” هو درس عظيم في الوطنية الحقة والإنسانية الصادقة. لقد قدموا نموذجاً يحتذى به في كيفية تجاوز المحن بالتلاحم والتعاضد. أثبتوا أن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن في عطائه لأخيه الإنسان، خاصة في أوقات الشدة والمحنة. لقد كانوا بالفعل قلب الخرطوم النابض الذي لم يتوقف عن العطاء، ورئتها التي تنفس هواء نقياً لم تلوثه أوبئة الحقد والكراهية والأنانية.

إن زيارة القائد البرهان إلى “أبو دليق” هي بمثابة تتويج لهذا العطاء الإنساني الكبير، واعتراف رسمي بالدور العظيم الذي لعبته هذه البلدة الصامدة في استقبال وإيواء النازحين. إنها رسالة للجميع بأن صنائع المعروف لا تضيع عند الله ولا عند عباده المخلصين. لقد رأينا في ذلك اليوم كيف كان البرهان يبادل أهل العطاء بالوفاء، ويقف على احتياجاتهم، ويصدر التوجيهات الفورية لتوفير الخدمات الأساسية لهم.

هذه الزيارة تحمل أيضاً دلالات سياسية واجتماعية عميقة. فهي تؤكد أن الدولة تعي تماماً حجم التضحيات التي يقدمها المواطنون في كل بقاع السودان، وأن القيادة السياسية حريصة كل الحرص على التواصل مع القواعد الشعبية، والوقوف على همومها واحتياجاتها بشكل مباشر. إن وجود ناظر البطاحين وكل أعيان القبيلة في مقدمة المستقبلين هو دليل على وحدة الصف والالتفاف الشعبي حول القيادة في هذه المرحلة التاريخية الفارقة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.