تشرق الشمس كالمعتاد، وتظن أن تفاصيل اليوم ستمضي وفق ما هو مرسوم، بلا جديد يُذكر، خاصة حين لا يلوح في الأفق ما يدعو للقلق. لكن، فجأة ودون سابق إنذار، تنقلب الأوضاع رأسًا على عقب؛ وفي سويعات معدودة، تتكبد خسائر فادحة، وترى ما حصدته عبر سنوات من الجهد والعرق يتبدد كأنه لم يكن.
الصدمة تكون قاسية ومؤلمة، ولا يثبت أمامها إلا من آمن بأن كل شيء بيد الله، وأن ما حدث لم يكن ليخطئه. إنها لحظة اختبار حقيقية، تمتحن معادن الرجال وتكشف قدرة المؤسسات على الصمود.
في مثل هذه المنعطفات، ينجح البعض في امتصاص الصدمة، لكنهم يعجزون عن النهوض مجددًا، بينما يمتلك آخرون قوة الإرادة التي تمكّنهم من التحليق من تحت الرماد، وبدء رحلة جديدة بعزيمة لا تلين.
وهذا تحديدًا ما فعلته بدر للطيران. فقبل حرب الخامس عشر من أبريل، كانت رحلاتها تصل إلى لندن وإسطنبول وغيرها من الوجهات العالمية في ثلاث قارات، وكانت على وشك التوسع نحو الهند وأسواق بعيدة، بأسطول يُعد الأكبر في السودان، وشهادات واعتمادات دولية رفيعة.
لكن الحرب قلبت كل شيء. فقدت الشركة 11 طائرة بمطار الخرطوم، إلى جانب أصول أخرى، بخسائر تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات. ومع ذلك، لم ترفع الراية البيضاء، ولم تستسلم للظروف.وقفت بقوة أمام الرياح ،مجسّده قول الشاعر محمد طه القدال”:وابقي العاتي زى سنطتنا زى صبرا نلوك فوق مرو زى الزاد
واركز للبجيبها الريح تقيف انت ويشيلها الريح”
بقيادة رجل قليل الكلام كثير الأفعال،قوي الإرادة، صاحب عزيمة لا تلين لها قناة، المهندس أحمد عثمان أبوشعيرة، نجحت الشركة في لملمة أطرافها سريعًا، ومداواة جراحها، لتعود إلى التحليق بثقة، مؤكدة قدرتها على تجاوز المحن والانطلاق مجددًا في سماء التميز، كأنما استعارت لسان أبوالقاسم الشابي حينما قال :”سَأعيشُ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعداءِ كالنَّسْر فوقَ القِمَّةِ الشَّمَّاءِ
أرْنُو إلى الشَّمْسِ المُضِيئةِ هازِئاً بالسُّحْبِ والأَمطارِ والأَنواءِ”
وفي خضم ظروف الحرب، لم تتوقف بدر عن التوسع، بل واصلت هوايتها المحببة في إضافة طائرات حديثة إلى أسطولها، وفتح وجهات جديدة. اليوم، أعلنت عن تسيير رحلات إلى مطار الملك عبد الله بن عبد العزيز بمدينة جازان، ابتداءً من 22 مايو الجاري، ضمن شبكة رحلاتها داخل المملكة العربية السعودية.
إن تجربة بدر للطيران تستحق التوقف والتأمل، ليس فقط للإشادة، بل لفهم سر هذا الثبات والتطور. فمعرفة أسباب نجاحها يمكن أن تشكّل خارطة طريق لإحياء العديد من المؤسسات الاقتصادية في البلاد.
إنها تجربة تؤكد أن هزيمة الظروف، مهما اشتدت، أمر ممكن… حين تتوفر الإرادة.
ابو أحمد