كتب ..سيف الدين آدم هارون
حين يصبح المنصب العام غنيمة وتتحول إدارة الخدمة إلى ساحة صراع، فإن أول من يدفع الثمن ليس المسؤول المُقال ولا المتنفذ الغاضب، بل الطفل في القرية النائية الذي لم تصله جرعة تطعيم.
هذا ما كشفته أزمة القطاع الصحي بمحلية “ود الحليو” مؤخراً، وهي ليست مجرد حادثة إدارية عابرة، بل جرس إنذار حول مستقبل الدولة وخدماتها في الأطراف.
بدأت الحكاية بتقرير لجنة شكّلها المدير التنفيذي المكلف السابق للمحلية “عديل” ، برئاسة شيخ الدين مدير وحدة حمداييت. التقرير كان واضحاً وقاسياً: قصور في التغطية الصحية، وتعثر في حملات التطعيم الروتيني وضد شلل الأطفال في عدد من قرى القطاعين الشرقي والغربي. شهادات مواطنين أكدت أن الفرق لم تصل، وأن ألاطفال خارج دائرة الحماية. أمام هذا الإخفاق الذي يمس الحياة مباشرة، صدر قرار إداري بإعفاء مديرة الشؤون الصحية، وتكليف الكادر المتخصص “السمؤال” ـ الحاصل على بكالوريوس العلوم الصحية ـ لإدارة الشؤون الصحية ، مع إبقاء المديرة السابقة نائبة له في محاولة لاحتواء الفراغ الفني. كان يفترض أن يكون هذا القرار بداية لتصحيح المسار. لكنه تحول، كما يحدث دائماً، إلى معركة نفوذ. أزمة المعايير الشهادة السودانية في مواجهة البكالوريوس
أظهرت المراجعة أن المسؤولة السابقة لا تحمل مؤهلاً جامعياً، وتقتصر شهاداتها على “الشهادة السودانية”. ورغم ذلك ظلت في هذا موقع القيادي. أما التعيين الجديد فقد جاء وفق معيار مهني واضح، بكالوريوس في الصحة العامة لتغطية العجز الإداري والفني.
هنا انفجرت الأزمة. خرجت وقفة احتجاجية نظمها أنصار الإدارة المقالة، لا اعتراضاً على فشل التطعيم، بل رفضاً لإبعاد “ابنة المنطقة”. المطلوب لم يكن مراجعة الأداء، بل تكريس مبدأ المنصب حق مكتسب بالولاء والعصبية، لا تكليف بالكفاءة. عندما تُرهَن الإدارة بالمزاج
الخطر الحقي في هذه الواقعة ليس في شخص بعينه، بل في الرسالة التي تُرسل:
-غياب معيار الكفاءة، يفرغ المؤسسات من مضمونها. حين تُشكَّك في الكادر المؤهل وتُطالب بإبعاده لصالح اعتبارات أو تصفية حسابات ، فأنت لا تدافع عن شخص، بل تهدم نظاماً ، والاعتصامات تجعل الإدارة رهينة. فيصبح كل قرار فني خاضعاً للابتزاز، وتغيب المساءلة ،والضحية معروفة سلفاً ،الأم التي تقطع كيلومترات لتصل بالطفل إلى المركز، والقرى التي تنتظر شحنة لقاح لا تصل لأن الأولوية ذهبت للصراع لا للخدمة.
على وزارة الصحة وحكومة الولاية والأجهزة التنفيذية والأمنية في ود الحليو ثلاث خطوات لا تحتمل التأجيل ،تثبيت قرارات لجنة التقييم والمحاسبة ودعمها سياسياً وإدارياً، وعدم الخضوع لسياسة فرض الأمر الواقع. وتحييد القطاع الصحي عن التجاذبات وتوفير الحماية للكوادر الفنية حتى تعمل بمهنية إيصال الخدمة للجميع دون تمييز استكمال حملات التطعيم وتغطية كل قرية، لأن الصحة لا تقبل أنصاف الحلول.
المنصب الخدمي ليس تشريفاً ولا إرثاً عائلياً. وفي الصحة تحديداً لا مكان للمجاملات. إما أن تُدار المستشفيات والوحدات بالعلم والضمير، أو أننا نغامر بأجيال كاملة باسم “الحفاظ على التوازنات”.معركة ود الحليو اليوم هي معركة كل المحليات هل نريد دولة مؤسسات تقاس بالنتائج، أم ساحة صراع تقاس بالقربى؟ والإجابة، إن تأخرت، ستُكتب على أجساد الأطفال الذين لم يجدوا من يحميهم.