الأمل نيوز
الأمل نيوز

حين يصبح الاختلاف جسراً للسلام  الحوار بين الثقافات السودانية ،،،، من تعدد الهويات إلى وحدة الوطن 

 

كتب :يسن عيسى

 

في السودان قد تكشف لهجة الإنسان عن موطنه قبل أن يذكر اسمه وقد تكشف عاداته وتقاليده عن ثقافته قبل أن يتحدث عن نفسه وقد تحمل ملامحه وذاكرته قصة منطقة وقبيلة ومجتمع عاش عبر أجيال .

لكن خلف كل هذا التنوع هناك سؤال أكبر من القبيلة واللهجة والمنطقة:

هل نستطيع أن نختلف دون أن نتقاتل؟ وهل نستطيع أن نحافظ على هوياتنا المتعددة دون أن تتحول إلى جدران تفصل السودانيين عن بعضهم؟

 

أعتقد أن الإجابة تبدأ من الحوار.

فالسودان لم يكن يوماً مجتمعاً ذا لون واحد أو ثقافة واحدة. كان وسيظل فضاءً واسعاً تتعايش فيه ثقافات ولغات ولهجات وقبائل ومجموعات اجتماعية متعددة تفاعلت عبر التاريخ من خلال التجارة والهجرة والرعي والزراعة والمصاهرة والجوار.

ولهذا فإن تنوع السودان ليس مشكلة ينبغي التخلص منها بل ثروة وطنية ينبغي أن نتعلم كيف نديرها.

 

المشكلة ليست في اختلافنا المشكلة في الطريقة التي نتعامل بها مع اختلافنا.

 

الحرب كشفت هشاشة التعايش وأهمية الحوار

 

الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023 لم تصنع كل أزمات السودان لكنها كشفت عمق هشاشة النسيج الاجتماعي ووسّعت مساحات عدم الثقة وأعادت إلى الواجهة خطاباً خطيراً يقوم على التعميم والتخوين والاتهام الجماعي .

 

وفي لحظات الحرب يصبح من السهل أن يتحول اختلاف القبيلة أو المنطقة أو اللهجة إلى ذريعة للحكم على الإنسان قبل أن نعرفه.

 

قد يرتكب فرد جريمة، فتُحمّل المسؤولية لمجموعة كاملة .

 

وقد يقع خلاف سياسي فيتحول إلى عداء اجتماعي.

 

وقد تختلف الآراء فننتقل سريعاً من الاختلاف إلى التخوين ومن التخوين إلى الكراهية ومن الكراهية إلى العنف.

 

وهنا تحديداً تظهر أهمية الحوار.

 

فالحوار ليس ترفاً فكرياً نمارسه عندما تهدأ الأوضاع إنه إحدى الوسائل التي نحتاج إليها حتى نتمكن من تهدئة الأوضاع أصلاً.

 

من شرق السودان تعلمنا أن الحوار يبدأ من المجتمع

 

في تجارب بناء السلام والوساطة المجتمعية في شرق السودان يتضح أن كثيراً من النزاعات لا تبدأ كبيرة.

 

تبدأ بخلاف حول أرض أو مورد أو طريق أو مصلحة ثم تتداخل معها الذاكرة التاريخية والخطاب السياسي والمخاوف المتبادلة فتتوسع دائرة النزاع.

 

لكن عندما توجد إرادة للاستماع ومساحة آمنة للحوار وقيادات اجتماعية قادرة على جمع الأطراف يصبح من الممكن احتواء الخلاف قبل أن يتحول إلى صراع مفتوح.

 

وهذه الخبرة تؤكد لنا أن السلام لا يُصنع دائماً في قاعات المؤتمرات الكبرى.

 

أحياناً يبدأ السلام من مجلس أهلي.

 

ومن لقاء بين شيوخ وشباب.

 

ومن امرأة تجمع أبناء مجتمعين متخاصمين.

 

ومن شخص يقرر أن يسمع رواية الطرف الآخر قبل أن يصدر حكمه.

 

ومن كلمة حكيمة تمنع كلمة غاضبة من التحول إلى رصاصة.

 

إن بناء السلام يبدأ حيث يعيش الناس وليس فقط حيث يجلس السياسيون.

 

القبيلة ليست المشكلة

 

من الأخطاء التي ينبغي أن نتجنبها في التفكير في مستقبل السودان أن نتعامل مع القبيلة باعتبارها أصل المشكلة.

 

القبيلة جزء من التركيبة الاجتماعية السودانية ولها أدوار تاريخية في التكافل وحماية المجتمع وحل النزاعات وإغاثة المحتاجين.

 

المشكلة تبدأ عندما تتحول الهوية الاجتماعية إلى أداة للإقصاء أو التحريض أو التعبئة ضد الآخرين.

 

فالقبيلة يمكن أن تكون جسراً للسلام كما يمكن أن تتحول إلى أداة للصراع.

 

والفارق ليس في وجودها وإنما في كيفية توظيفها.

 

ولهذا فإن المطلوب ليس إلغاء الهويات المحلية وإنما إدماجها في مشروع وطني أوسع يقوم على المواطنة والمساواة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

 

اللهجات والثقافات…. ذاكرة السودان

 

حين نتحدث عن الحوار بين الثقافات السودانية لا ينبغي أن نحصره في المؤتمرات والندوات.

 

علينا أن نعيد اكتشاف السودان من خلال تفاصيله اليومية.

 

أن نستمع إلى اللهجات المختلفة دون سخرية.

 

أن نعرف قصص المجتمعات التي لا نعرفها.

 

أن نتعلم عن عادات الآخرين دون أن نشعر أن ثقافتنا مهددة.

 

أن يتعرف أبناء الشرق على الغرب وأبناء الشمال على الجنوب وأبناء الوسط على الشرق، وأن تتحول المسافات الجغرافية والثقافية إلى فرص للتعارف لا إلى أسباب للعزلة.

 

فاللهجة ليست مجرد طريقة في الكلام.

 

والزي ليس مجرد قطعة من القماش.

 

والرقصة ليست مجرد حركة.

 

والأغنية ليست مجرد لحن.

 

كل ذلك يحمل ذاكرة مجتمع وتاريخ أناس وقصة مكان.

 

وعندما نحترم ثقافة الآخر فإننا نقول له في أبسط صورة:

 

أنت جزء من هذا الوطن وثقافتك جزء من قصته.

 

لا نحتاج إلى سوداني واحد …. بل إلى وطن واحد

 

ربما يكون السودان بحاجة اليوم إلى إعادة تعريف مفهوم الوحدة.

 

الوحدة لا تعني أن يصبح الجميع متشابهين.

 

ولا تعني أن نتخلى عن قبائلنا أو لهجاتنا أو ثقافاتنا أو خصوصيات مناطقنا.

 

الوحدة الحقيقية هي أن نختلف لكن نتساوى.

 

أن نحافظ على خصوصياتنا لكن لا نستخدمها لإقصاء الآخرين.

 

أن نعتز بانتماءاتنا المحلية لكن ندرك أن الوطن أوسع منها جميعاً.

 

يمكن للإنسان أن يكون بجاوياً أو نوبياً أو فورياً أو زغاوياً أو شمالياً أو من وسط السودان أو من النيل الأزرق وأن يكون في الوقت نفسه سودانياً كاملاً لا تنقص مواطنته خصوصيته الثقافية.

 

المشكلة ليست أن يكون لنا أكثر من انتماء.

 

المشكلة أن نسمح لانتماء واحد بأن يلغي بقية انتماءاتنا.

 

السلام السياسي وحده لا يكفي

 

قد تنجح الأطراف السياسية أو العسكرية في الوصول إلى اتفاق يوقف الحرب لكن الاتفاق وحده لا يستطيع أن يعيد الثقة بين المجتمعات التي تضررت من الصراع.

 

فالسلام السياسي قد يوقف إطلاق النار.

 

لكن السلام الاجتماعي هو الذي يمنع المجتمع من العودة إلى العنف.

 

ولهذا فإن أي مشروع حقيقي لإنهاء الحرب في السودان يجب أن يتجاوز الترتيبات السياسية والعسكرية إلى مشروع أوسع لإعادة بناء النسيج الاجتماعي.

 

نحتاج إلى المصالحة ولكن المصالحة التي لا تتجاهل العدالة.

 

نحتاج إلى الحوار ولكن الحوار الذي لا يلغي حقوق الضحايا.

 

نحتاج إلى العفو الاجتماعي ولكن ليس على حساب الحقيقة.

 

نحتاج إلى إعادة النازحين واللاجئين ولكن مع معالجة مخاوف المجتمعات المضيفة.

 

نحتاج إلى إعادة بناء المدارس والمستشفيات والطرق لكننا نحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الثقة.

 

فالمدن يمكن أن تُبنى بالحجر أما المجتمعات فلا تُبنى إلا بالثقة.

 

النساء والشباب ليسوا ضيوفاً على طاولة السلام

لا يمكن أن نتحدث عن مستقبل السودان ونضع النساء والشباب في آخر الصف.

 

النساء عشن الحرب في تفاصيلها اليومية وحملن أعباء النزوح والفقد والإعالة والرعاية وكان كثير منهن جزءاً من شبكات التضامن والمساعدة المجتمعية.

 

والشباب هم الفئة التي ستعيش أطول مع نتائج القرارات التي نتخذها اليوم.

 

ولهذا يجب أن يكونوا شركاء حقيقيين في الحوار وصناعة السلام لا مجرد جمهور في المؤتمرات.

 

إن السلام الذي لا يشارك فيه الشباب والنساء سيظل سلاماً ناقصاً والسلام الذي لا يصل إلى المجتمعات المحلية سيظل بعيداً عن الناس الذين يفترض أن يحميهم.

 

الكلمة مسؤولية

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الكلمة قادرة على عبور آلاف الكيلومترات في ثوانٍ.

ولهذا فإن مسؤولية الإعلام والمثقفين والناشطين والقيادات الاجتماعية أصبحت أكبر من أي وقت مضى.

 

نحن بحاجة إلى خطاب يقول الحقيقة دون أن يحرض على الكراهية.

ويدافع عن الضحايا دون أن يحول مجتمعاً كاملاً إلى متهم.

 

وينتقد المواقف السياسية دون أن يحوّل الاختلاف السياسي إلى عداوة اجتماعية.

 

فالخطاب الذي يبني الكراهية اليوم قد يصعب علينا غداً أن نبني به السلام.

 

الحوار لا يعني أن ننسى

هناك من يخشى أن تكون الدعوة إلى الحوار والمصالحة دعوة إلى تجاوز الجرائم أو نسيان الضحايا.

 

وهذا فهم ينبغي أن نصححه.

الحوار لا يعني النسيان.

والمصالحة لا تعني الإفلات من المساءلة.

والسلام لا يعني أن يطلب من الضحية أن تتنازل عن حقها.

بل إن السلام المستدام يحتاج إلى الحقيقة والعدالة وجبر الضرر والمساءلة حتى لا تتحول جراح الماضي إلى وقود لحروب جديدة.

 

نحن بحاجة إلى أن نتصالح مع ذاكرتنا لا أن نمحوها.

وأن نتعلم من أخطائنا لا أن ننكرها.

وأن نعطي الضحايا حقهم دون أن نسمح لمنطق الانتقام الجماعي بتدمير المستقبل.

 

السودان يحتاج إلى حوار يشبهه

الحوار الذي نحتاجه ليس حواراً نخبوياً مغلقاً.

نحتاج إلى حوار يشبه السودان نفسه:

متعدد الأصوات.

متعدد الثقافات.

متعدد اللهجات.

متعدد الأجيال.

ومتعدد الرؤى.

نحتاج إلى أن يجلس السياسي إلى جانب الأكاديمي والقيادي الأهلي إلى جانب الشاب والمرأة إلى جانب الرجل والنازح إلى جانب المجتمع المضيف وأبناء الشرق إلى جانب أبناء الغرب والشمال والوسط والجنوب وأن يتحدث الجميع لا لكي يثبت أحدهم أنه يمتلك الحقيقة كاملة بل لكي نبحث معاً عن وطن يتسع للجميع.

 

من التنوع إلى التماسك

ربما تكون اللحظة التاريخية التي يعيشها السودان فرصة لإعادة النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا.

لقد دفعنا ثمناً باهظاً بسبب الانقسامات والاستقطاب والحروب.

ولذلك لا ينبغي أن يكون هدفنا فقط أن تتوقف الحرب وإنما أن نعمل على معالجة الأسباب التي جعلت المجتمع قابلاً للاشتعال.

 

علينا أن نربي أطفالنا على احترام المختلف.

وأن نعلمهم أن اللهجة المختلفة ليست مدعاة للسخرية.

وأن القبيلة ليست معياراً لقيمة الإنسان.

وأن اللون أو المنطقة أو اللغة لا تحدد مقدار الوطنية.

وأن السوداني الآخر ليس غريباً لمجرد أنه جاء من منطقة أخرى.

هذه ليست تفاصيل صغيرة.

إنها أساس بناء دولة تستطيع أن تعيش فيها الأجيال القادمة دون أن تحمل أحقاد الأجيال السابقة.

 

كلمة أخيرة: السودان الذي نريده

ربما لا نستطيع أن نغير الماضي.

ولا نستطيع أن نمحو آثار الحرب بسهولة.

لكننا نستطيع أن نقرر كيف سيكون المستقبل.

نستطيع أن نختار بين سودان تستمر فيه الجدران التي بنتها الحرب وسودان نبدأ فيه ببناء الجسور.

 

نستطيع أن نختار بين خطاب يجعل القبيلة خندقاً وخطاب يجعلها جسراً.

بين إعلام يشعل الخوف وإعلام يفتح نوافذ المعرفة.

بين مجتمع يعاقب الإنسان بسبب انتمائه ومجتمع يحاسبه على أفعاله.

وبين وطن يطلب من أبنائه أن يتشابهوا ووطن يحترم اختلافهم ويمنحهم جميعاً حقاً متساوياً في الانتماء.

 

أنا أؤمن أن السودان لا يحتاج إلى سودانيين متشابهين حتى يعيشوا معاً بل يحتاج إلى سودانيين مختلفين يؤمنون بأن اختلافهم لا يلغي وحدتهم.

 

فالقوة الحقيقية للسودان ليست في أن يكون الجميع نسخة واحدة وإنما في أن يستطيع المختلفون أن يجلسوا إلى طاولة واحدة وأن يسمع بعضهم بعضاً وأن يختلفوا دون كراهية وأن يتنافسوا دون إقصاء وأن يتعاونوا رغم اختلافاتهم.

 

لقد حاولت الحرب أن تجعل من التنوع وقوداً للصراع ومسؤوليتنا التاريخية أن نجعل منه وقوداً للسلام.

 

وإذا كانت الحرب قد مزقت شيئاً من نسيجنا الاجتماعي فإن الحوار قادر على أن يبدأ خياطته من جديد.

 

ليس المطلوب أن نلغي اختلافاتنا.

المطلوب أن نتعلم كيف نعيش بها.

وليس المطلوب أن نبحث عن سودان بلا قبائل أو ثقافات أو لهجات.

المطلوب أن نبني سوداناً لا تكون فيه القبيلة سبباً للتمييز ولا الثقافة سبباً للإقصاء ولا اللهجة سبباً للسخرية ولا المنطقة سبباً للحرمان.

 

سودان تكون فيه المواطنة مظلة للجميع والعدالة أساساً للسلام والحوار وسيلة لإدارة الاختلاف وحقوق الإنسان معياراً لكرامة الدولة والمجتمع.

 

فالسودان لا يصبح وطناً عندما نتشابه

بل يصبح وطناً عندما نتسع لبعضنا.

 

وهنا يبدأ السلام الحقيقي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.