تُؤثر فيّ كثيرًا شجاعة الاعتراف بالتقصير والأخطاء، فمن أراد النجاح، عليه أن يُقرّ بالفشل إذا وقع فيه، ومن يسعى لبلوغ أعلى مراتب التطور، لا بد أن يتحلى بالشفافية ويمارس النقد الذاتي ليعرف أين تكمن نقاط ضعفه وقوته، ليستند إلى الحقائق وينطلق إلى الأمام.
ملتقى دعم التعليم الذي انعقد بمدينة كسلا اليوم الثلاثاء، بمبادرة من أبناء كسلا، لم يكن مجرد فعالية لمناقشة قضية من القضايا، بل كان ملتقى للشفافية، لوضع اليد على الجرح دون مواربة، ولتوجيه الأنظار صوب مواضع الخلل بكل وضوح،كل من تحدث تحلى بالمسؤولية، وجاءت كلماته صادقة، نابعة من دواخل تتمدد فيها مساحات الحسرة، وفي ذات الوقت تفسح مجالًا للأمل.
نائب الوالي، الأستاذ عمر عثمان، لم يبحث عن مبررات يعلّق عليها إخفاقات التعليم، رغم كونه ممثلًا للحكومة، بل تحدث بشفافية رجل الدولة، وبروح المواطن الكسلاوي الموجوع على الواقع،عدّد التحديات التي تواجه تعليم البنين والبنات، وأشار إلى الفجوات المتعددة، مؤكدًا أن التعليم هو أساس التنمية، وأعتقد أن مطالبته بضرورة مساهمة كل جهة في دعم التعليم، ولو بالقليل، هي مربط الفرس؛ فالدعم المجتمعي، في تقديري، هو رأس الرمح، وهو المطلوب في المرحلة القادمة.
أما وزير التربية والتوجيه، أستاذنا عثمان عمر، فقد شخص الواقع بدقة حين قال: “تأخرنا عن الركب، ويجب أن ينال كل طفل حظه الكامل في التعليم”، ما قاله لم يكن مجرد حديث مسؤول، بل حديث خبير تربوي يدرك تمامًا أن التعليم في كسلا ما يزال يتوكأ على عصاتين، ويحتاج إلى جهد مضاعف حتى ينهض ويقود المجتمع نحو التغيير.
قال الوزير قولًا عميقًا حين أكد أن “التعليم لا يحتاج إلى كثير من الحديث، فهو مفتاح الحياة”، كما جاء حديثه متسقًا مع جوهر المبادرة، ومجسدًا لواقع ولايات عديدة، حين أشار إلى أن الاعتماد الكامل على الدولة يُظهر الكثير من الفجوات، وأن حراك المنظمات المجتمعية يحمل خيرًا كبيرًا.
وأعتقد أن الوزير والخبير التربوي أصاب كبد الحقيقة حين شدد على ضرورة أن ينال كل طفل فرصته الكاملة في التعليم، وهو ما لا يتحقق إلا بالتخطيط الجماعي لنهضة التعليم.
أما ممثلة المنظمات، السيدة تفاؤل، فقد دعت إلى إنشاء صندوق تأميني لدعم التعليم عبر الجهد الأهلي والشعبي، وهذا عين ما ننشده وظللنا نطالب به، وعلى ذات الطريق مضى ممثل المبادرة، حسين إبراهيم، الذي أكد حقيقة ماثلة في عدد من أنحاء السودان، بأن دعم التعليم بات مسؤولية مجتمعية.
عمومًا، كان الملتقى ناجحًا، ومن حضروا وزيّنوا القاعة استقطعوا من وقتهم من أجل غاية نبيلة، تُعد المدخل السليم لتغيير واقع المجتمع بالتعليم، الذي ما يزال في كسلا بحاجة إلى الكثير من الجهد.
ولو كان الأمر بيدي، لوجهت كل الدعم إلى تأهيل البيئة المدرسية، لأنها الأساس، فصيانة المدارس خطوة أولى تحمل في طياتها رسالة للتلاميذ والطلاب والمعلمين بأن المجتمع معهم، وهي رسالة إلى الجميع بأن التعليم هو الحل، وهو الترياق المضاد للفقر والمرض والجهل، وهو الذي يقود إلى الوعي، ويعزز التعايش السلمي، ويحقق الوحدة.
وإذا قررت المبادرة الكريمة تأهيل (110) مدرسة في المرحلة الأولى، بواقع عشر مدارس في كل محلية، فإنها، وبثقة المجتمع فيها، قادرة على فعل ذلك. وهو قطار إذا انطلق، فلن يتوقف بإذن الله.
*خارج النص:*
“عشان عيون أطفالنا… ما تضوق الهزيمة”