الأمل نيوز
الأمل نيوز

د. عثمان أحمد صديق يكتب:شرق النيل: واحة التسامح السوداني وقبيلة البطاحين نموذجًا للتضحية والإيثار

 

 

أرض التاريخ والتسامح

منذ فجر التاريخ، شكّلت منطقة شرق النيل في الخرطوم نموذجًا فريدًا للتعايش والتسامح؛ أرضًا جمعت على ضفة النيل العظيم قلوبًا قبل الأجساد، ومشاعر قبل المصالح. لطالما كانت هذه المنطقة ملتقى للقبائل والسكان، حيث امتزجت الأصول والثقافات في بوتقة سودانية خالصة، أنتجت شعبًا مصغرًا يحمل في تكوينه كل سمات الشعب السوداني الأصيل: الكرم، الصبر، التسامح، والتعايش.

 

في قلب هذا النسيج الاجتماعي الغني، تبرز قبيلة البطاحين كعمود فقري لهذه المنطقة، حيث تمتد جذورها في هذه الأرض عبر القرون، حاملةً معها قيمًا أصيلة وتاريخًا عريقًا من الكرم وحسن الضيافة، تلك القيم التي ستتجلى بأسمى معانيها خلال أصعب الظروف التي مرّ بها السودان.

 

التحديات تسبق العاصفة

شهد عام 1983 تحولًا مهمًا في التركيبة السكانية لمنطقة شرق النيل، عندما ضرب الجفاف والتصحر العديد من مناطق السودان، فتحولت هذه المنطقة إلى ملاذ آمن لكل محتاج، ووجهة كريمة لكل نازح. فتح أهلها قلوبهم وبيوتهم، ومدّوا أيديهم بالخير والمساعدة، متحمّلين أعباء إضافية برحابة صدر نادرة. هذه الثقافة التراحمية التي تربّى عليها أبناء المنطقة، وخصوصًا قبيلة البطاحين، ستصبح المنقذ والحامي للكثيرين مع اندلاع الحرب الحالية.

 

الحرب: امتحان القيم والأخلاق

مع اشتداد المعارك وتحول النزاع إلى واقع يومي يعيشه السودانيون، وجدت منطقة شرق النيل نفسها أمام اختبار حقيقي لقيمها الأصيلة. فالمنطقة التي فتحت ذراعيها للجميع على مدى عقود، وجدت نفسها في موقف بالغ الحساسية والتعقيد، حيث تحوّل بعض من قدموا إليها طلبًا للأمان إلى حاملي سلاح، مسلّطينه على رؤوس من استضافوهم وأكرموهم.

 

في هذا السياق الصعب، برز دور قبيلة البطاحين بشكل لافت كنموذج للإيثار والتضحية. فلم يتردد شباب المنطقة في حماية النازحين والمهجّرين، مقدمين أروع أمثلة التضحية في وقت كان الكثيرون فيه يبحثون عن النجاة الفردية. لقد فهموا أن القيم الإنسانية لا تتجزأ، وأن الكرم في زمن السلم فضيلة، أما في زمن الحرب فهو بطولة.

 

بطاحين شرق النيل: دروع بشرية في زمن النار

قبيلة البطاحين، بجذورها التاريخية العميقة في المنطقة، لم تكن مجرد قبيلة بين القبائل، بل كانت الإطار الأخلاقي والاجتماعي الذي حافظ على تماسك النسيج المجتمعي في أحلك الظروف. لقد تحوّل أبناؤها إلى حراس حقيقيين لمبدأ التعايش السلمي، رافضين أن تتحول منطقة شرق النيل إلى ساحة للصراع.

 

في ظل ظروف بالغة الخطورة، انتشر شباب البطاحين في أحياء المنطقة، ينظّمون عمليات الإغاثة، ويؤمّنون الممرات الآمنة للنازحين، ويحرسون التكايا التي انتشرت في كل مكان. لقد حوّلوا بيوتهم إلى ملاجئ، ومواردهم المحدودة إلى مصدر رزق للغرباء، متذكرين القيم التي تربّوا عليها.

 

الماء البارد في قيظ الحرب لم يكن مجرد شراب يروي العطش، بل كان رسالة إنسانية تقول: “إنسانيتنا فوق كل اعتبار”. والأكل المتاح للنازحين رغم قلة ذات اليد لم يكن مجرد طعام، بل كان درسًا في العطاء الذي لا يعرف الشروط. لقد أثبت أهل المنطقة، وعلى رأسهم البطاحين، أن السوداني يستطيع أن يجوع ليأكل ضيفه، ويعطش ليرويه.

 

التكايا: واحات الأمان في بحر العنف

لم تكن التكايا المنتشرة في كل مناطق شرق النيل مجرد أماكن إيواء، بل كانت نموذجًا حيًا لقيم التعايش السوداني الأصيل. هذه التكايا التي أشرف على إدارتها وتأمينها أبناء المنطقة، شكّلت فصولًا في مدرسة الإنسانية العملية، حيث تعلّم الجميع أن الاختلاف في الأصل أو الثقافة لا يمنع التعاون على الخير.

 

قبيلة البطاحين، بوصفها أحد الأعمدة الرئيسية في المنطقة، لعبت دورًا محوريًا في حماية هذه التكايا وتأمينها، معتبرين أن حماية النازحين مسؤولية تاريخية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل أو التردد. لقد فهموا أن الحرب ستنتهي، لكن ما سيبقى هو كيف تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان في ساعة الضيق.

 

الإرث الإنساني والمستقبل

اليوم، تعجّ شرق النيل بكل ألوان الطيف السوداني، حيث استقبلت المنطقة نازحين من كل بقاع السودان، من دارفور إلى كردفان، ومن النيل الأزرق إلى العاصمة نفسها. هذا التنوع، الذي كان يمكن أن يكون مصدرًا للتوتر في ظروف الحرب، تحوّل بفضل وعي وكرم أهل المنطقة، وعلى رأسهم البطاحين، إلى مصدر قوة وتكافل.

 

الدرس الأهم الذي تقدمه لنا منطقة شرق النيل وقبيلة البطاحين تحديدًا، هو أن القيم الأصيلة لا تُورث فحسب، بل تُمارس في أحلك الظروف. فالكرم الذي يتجلّى في وقت الرخاء محمود، ولكن الكرم الذي يتجلّى في وقت الشدة هو الكرم الحقيقي. والتسامح في زمن السلم فضيلة، ولكن التسامح في زمن الحرب معجزة.

 

خاتمة:

شرق النيل رسالة إلى السودان والعالم

قصة منطقة شرق النيل وقبيلة البطاحين خلال الحرب ليست مجرد حدث عابر في تاريخ السودان، بل هي رسالة إنسانية عميقة تذكّرنا بأن النزاعات والحروب تمر، ولكن الإنسانية تبقى. لقد ضرب أبناء هذه المنطقة، وعلى رأسهم البطاحين، أروع الأمثلة في كيف يمكن للمجتمعات المحلية أن تكون حصنًا منيعًا ضد منطق العنف والاقتتال.

 

في وقت كان البعض يبحث فيه عن كيفية البقاء على قيد الحياة، كان أبناء شرق النيل يبحثون عن كيفية الحفاظ على إنسانيتهم وقيمهم. لقد أثبتوا أن الأسلحة قد تدمّر البنى التحتية، ولكنها لا تقوى على تدمير القيم الإنسانية الراسخة في قلوب الناس.

 

عندما يُكتب تاريخ هذه الفترة الصعبة من تاريخ السودان، ستحتل منطقة شرق النيل وقبيلة البطاحين مكانًا مميزًا في سجل البطولات الإنسانية، ليس بطولات القتال والعنف، بل بطولات العطاء والتضحية والإيثار. فهذه هي البطولات التي تبني الأمم، وتصنع المستقبل، وتخلق التراث الخالد الذي يتناقله الأبناء عن الآباء: تراث الكرم في زمن الجوع، والشجاعة في زمن الخوف، والإنسانية في زمن اللا إنسانية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.