في قلب العاصفة، حيث يحصد الرصاص الأحلام وتغيب معالم الحياة، تبرز أحياناً قصص تُعيد للإنسانية إشراقتها. هذه ليست مجرد حكاية عن مساعدات إغاثية، بل هي ملحمة صمود كُتبت بإرادة أبناء أرادوا لأرضهم الخير. إنها قصة “غرفة طوارئ شرق النيل”، التي تحولت من مأوى للنازحين إلى شمعة مضيئة أضاءت دروب التعليم والصحة والأمل، لتصبح نموذجاً يُحتذى به محلياً ودولياً.
من رحم المعاناة: النشأة في ظل الحرب الدامسة
مع اشتعال نيران الحرب في السودان، وجدت مجتمعات منطقة شرق النيل نفسها في مواجهة مباشرة مع ويلات الصراع. نزح الآلاف، وانهارت الخدمات الأساسية، وساد الظلام. في هذه اللحظة الحرجة، لم ينتظر أبناء المنطقة معجزة خارجية؛ بل قاموا بصنعها بأيديهم. جاءت فكرة تأسيس “غرفة طوارئ شرق النيل” كرد فعل غريزي لإنسان هذه الأرض الأصيل، الذي لا يقف مكتوف الأيدي أمام معاناة أخيه.
ما بدأ كجهود فردية متفرقة، سرعان ما تحول إلى مبادرة منظمة بفضل وعي وإصرار أبناء المنطقة. لم تكن الغرفة تملك في بداياتها سوى الإيمان الراسخ بواجب الوقوف مع المتضررين. “رغم قلة الإمكانيات المادية والعينية، وانعدام السند الرسمي والدولي”، كما ورد في الوصف، فإن إرادة العطاء كانت هي الوقود الذي حرك كل شيء.
سلسلة العطاء المتكاملة: من لقمة العيش إلى بسمة الطفل
لم يقتصر دور الغرفة على توفير الحد الأدنى من متطلبات البقاء، بل رسمت نموذجاً شاملاً للعمل الإنساني:
1. الإغاثة العاجلة: كانت الغرفة الملاذ الأول لما لا يقل عن مليون نسمة منتشرة في القرى والمناطق، وفرت لهم الطعام والماء والمأوى، لتصبح “مائتي في المية” من عيشهم معتمداً على هذا الصرح الإنساني في أحلك الأوقات.
2. الرعاية الصحية: امتدت يد العون لتشمل الدواء والعلاج، فقدمت الخدمات الطبية الأساسية، لسد ثغرة انهيار النظام الصحي.
3. الكساء والكرامة: في زمن فقد الكثيرون كل شيء، كان توفير الكساء حفاظاً على كرامة الإنسان وتلبية لحاجة أساسية في مواجهة قسوة الظروف.
4. الدعم النفسي والتعليمي: هنا تجلت عبقرية الرؤية. فعندما انحسرت العمليات العسكرية نسبياً، أدركت الغرفة أن “الحوجة كانت أكبر في شتى المجالات الحياتية”. فانتقلت من مرحلة الإنقاذ إلى مرحلة إعادة البناء. قدّمت برامج الدعم النفسي والإرشاد، خصوصاً للأطفال الذين أنهكتهم الحرب. ولم تكن المدارس بمعزل عن هذا الدعم، حيث عملت الغرفة على إعادة تأهيل الفصول وتوفير المستلزمات الدراسية، مؤمنة بأن تعليم جيل اليوم هو ضمانة سلام الغد.
5. البسمة في زمن الدموع: لم تغفل الغرفة عن حاجة النفس البشرية للبهجة. خصصت برامج ترفيهية وألعاباً للأطفال، لتقول لهم إن للحياة وجهاً آخر غير وجه الحرب، ولتزرع في قلوبهم الصغيرة بذور الأمل.
صوت الشكر و العرفان من أهل أبو زليق وإبرق وسلمة ود نائل وعلوان
الاعتراف الحقيقي بأي عمل يأتي من القاعدة، من أولئك الذين لمسوا الأثر وتذوقوا حلاوة العطاء. عبر أهالي مناطق أبو زليق وإبرق وسلمة ود نائل وعلوان عن فرحتهم البالغة وامتنانهم العميق للغرفة. هذا الشكر ليس مجرد كلمات، بل هو شهادة حية على تغيير ملموس في واقعهم اليومي. إن دعم الغرفة المتواصل للمرافق الحيوية في القطاعين الصحي والتعليمي، رغم الظروف الكارثية، هو ما جعلهم يرفعون راية العرفان، معترفين بأن هذه المبادرة المحلية كانت سندهم الأول والأقوى.
اعتراف عالمي: الترشيح لجائزة نوبل للسلام
لم يعد إنجاز غرفة طوارئ شرق النيل سراً محلياً. لقد لفتت أنظار العالم، حيث اعترفت بها المنظمات الدولية المهتمة بالشأن الإنساني. ترشيح غرف الطوارىء لنيل جائزة نوبل للسلام ليس حدثاً عادياً؛ إنه تتويج رمزي لمسار من العطاء الخالص، وإقرار بأن أعظم مبادرات السلام قد تنبثق من المجتمعات نفسها. هذا الترشيح يضع النموذج السوداني في الإغاثة والتماسك المجتمعي على الخريطة العالمية، ويقدم درساً مفاده ان العمل الجماعي المنظم هو أقوى من أسلحة الدمار.
الجائزة الحقيقية: حب الناس وتقديرهم
مع كل الاحترام للجوائز العالمية، فإن القائمين على غرفة طوارئ شرق النيل قد “حصلوا بالفعل على أعلى جائزة وأرفع وسام، ألا وهو حب الناس وتقديرهم”. هذا الحب هو رصيدهم الأخلاقي، وهو الضمانة التي جعلتهم يستمرون رغم كل الصعاب. إن نظرة الامتنان في عيون طفل عاد إلى مدرسته، أو ابتسامة راحة على وجه أم حصلت على الدواء لطفلها، أو طمأنينة عائلة وجدت مأوى آمناً، هي “وسام الشرف” الذي لا يقدر بثمن.
نداء المستقبل: دعوة للدعم والاستمرارية
لكي تستمر هذه الشمعة في الإضاءة، وتتوسع دائرة عطائها، تحتاج غرفة طوارئ شرق النيل، وما شابهها من المبادرات المجتمعية الباسلة، إلى دعم ممنهج. الدعم المادي والمؤسسي من الجهات المحلية والمنظمات الدولية لم يعد رفاهية، بل هو استثمار في السلام والاستقرار. إن تمكين هذه الغرف يعني بناء مجتمعات قادرة على الصمود وإعادة البناء، وتعزيز فكرة أن الحلول تنبع من الداخل. المستقبل البعيد والمنظور يحتاجان إلى استمرار هذا العطاء، وتوسيع نطاقه ليشمل مشاريع تنموية مستدامة في الزراعة والتأهيل المهني، لتحقيق الاكتفاء الذاتي وضمان مستقبل كريم للمتضررين من الحرب.
خاتمة: درس في الإنسانية والتضامن
قصة غرفة طوارئ شرق النيل هي أكثر من مقال إشادة؛ هي وثيقة تاريخية تثبت أن روح المجتمع السوداني متينة لا تكسرها الحروب. هي درس في أن القوة الحقيقية تكمن في التضامن، وأن الأمل يولد من رحم المعاناة عندما تتحد القلوب الطيبة. لقد نقلت الغرفة رسالة إلى العالم مفادها أن العمل الإنساني الأصيل لا ينتهي بتقديم وجبة طعام، بل يبدأ منها ليبني الإنسان ويعلم الطفل ويداوي الجروح النفسية والجسدية.
نتمنى، كما يتمنى كل أبناء السودان الطيبين، أن “يستمر العطاء من أهل العطاء، والوفاء من أهل الوفاء”. وأن تظل غرفة طوارئ شرق النيل، وشبيهاتها في كل بقاع السودان، منارات تضيء درب الخلاص من براثن الحرب نحو فضاء السلام والتنمية. فتحية لإرادة أبناء شرق النيل، وتحية لكل يد تمد العون في صمت، فأنتم تصنعون من ركام الحرب جسراً نحو مستقبل يليق بأبناء هذه الأرض الأبية.