في ظل صمت محطم، تعيش مناطق شرق النيل مأساة تعليمية تكاد تكون الأقسى في تاريخها الحديث. فبينما تقدم هذه المنطقة للوطن الغالي الكثير من خيراتها وثرواتها البشرية و الطبيعية، تجد نفسها تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة، وفي مقدمتها البنية التحتية للتعليم والصحة.
واقع مرير: مدارس بلا مقومات
تشهد كل مدارس شرق النيل – دون أدنى مبالغة أو استثناء – وضعًا كارثيًا يتجاوز وصف “التهميش” ليندرج تحت بند “الإهمال الغير مبرر”. مبانٍ متداعية تتهدد حياة الطلاب، فصول دراسية تفتقر لأدنى وسائل التعليم، وغياب شبه تام للمختبرات العلمية والمكتبات والمرافق الصحية الأساسية. هذا الوضع المأساوي يضع مستقبل جيل كامل على حافة الهاوية.
معاناة مضاعفة: الأسرة التي فقدت معيلها
الواقع الأكثر إيلامًا يكمن في الحالة الاجتماعية لأسر الطلاب. فبفعل الحرب التي عصفت بالمنطقة، فقدت آلاف الأسر معيلها الرئيسي إما استشهادًا، أو إصابة جسدية دائمة، أو تهدمًا لمباني ومشاريع كان يعمل فيها الأب أو الأخ. هذه الخسائر المزدوجة – البشرية والمادية – حولت حياة الأسر إلى كفاح يومي من أجل البقاء، وجعلت نفقات التعليم عبئًا مستحيلاً.
جهود فردية: أبناء المغتربين يتحملون ما لا يُطاق
في محاولة لسد الفجوة الهائلة، يبذل أبناء شرق النيل المغتربون جهودًا جبارة، يجمعون التبرعات ويدعمون المدارس القليلة القائمة، ويساعدون الأسر المتضررة. لكن هذه الجهود – رغم نبضها وإنسانيتها – تبقى كقطرة في محيط من الاحتياجات. الحمل أصبح ثقيلاً، والإمكانيات محدودة، والتحديات أكبر من أن تحل بجهود فردية.
نداء عاجل للمسؤولية الوطنية والدولية
إننا، ونحن نسلط الضوء على هذه الكارثة التعليمية والإنسانية، نوجه نداءً عاجلاً:
إلى المسؤولين الوطنيين:
شرق النيل جزء عزيز من هذا الوطن، وأبناؤه مواطنون لهم حقوق كاملة. لا يجوز أن يظل تعليمهم رهينة للإهمال والتأجيل. نحتاج إلى خطة طوارئ عاجلة لإعادة تأهيل المدارس، وتوفير المعلمين المؤهلين، ودعم الأسر المتضررة لتمكين أبنائها من مواصلة التعليم.
إلى الهيئات والمنظمات الدولية:
الوضع في شرق النيل يستحق التصنيف كحالة إنسانية وتعليمية طارئة. نحتاج لتدخل عاجل من منظمات الأمم المتحدة (اليونيسف، اليونسكو، برنامج الأغذية العالمي) والمنظمات الإنسانية الدولية. فالمساعدات الطارئة للمدارس، والبرامج الغذائية للطلاب، وتوفير المستلزمات الدراسية، وإعادة تأهيل البنية التحتية أصبحت ضرورة حياة، وليست رفاهية.
إلى المجتمع المدني والمؤسسات الخيرية:
جهودكم ضرورية ومطلوبة. تبني مدرسة، أو توفير وجبات غذائية، أو دعم معلم، قد ينقذ مستقبل عشرات الأطفال من الضياع.
ختامًا: التعليم حق وليس منحة
أبناء شرق النيل لا يطلبون منحة، بل يطالبون بحق أساسي من حقوقهم الإنسانية والوطنية. مستقبل منطقة بأكملها معلق بين جدران مدارس آيلة للسقوط. التدخل العاجل ليس خيارًا، بل واجب أخلاقي وإنساني ووطني.
الوقت ينفد، وجيل كامل على المحك. فلنسمع صرخة استغاثتهم قبل فوات الأوان.