تمثل الإدارة الحكومية الفعالة ركيزة أساسية لاستقرار المجتمعات وتحقيق الرفاهية لمواطنيها، وتتجسد الإدارة المثلى في القدرة على استشعار احتياجات الفئات الأكثر ضعفا وتقديم الدعم اللازم لها، خاصة في الظروف الاقتصادية المعيشية الصعبة. تقدمت ولاية القضارف بمبادرة فريدة تعكس التزام قيادتها تجاه العاملين، وهي المبادرة التي أعلن عنها والي الولاية، *الفريق محمد أحمد حسن أحمد إدريس ود الشواك* ، بتوزيع سلة رمضان لهذا العام ١٤٤٧ هجرية بشكل مجاني بالكامل، محاكيا بذلك نجاح المبادرة ذاتها في العام السابق. هذه الخطوة لم تكن مجرد إعانة موسمية، بل كانت رسالة قوية تعزز الثقة بين السلطة التنفيذية والعاملين وتخفف عن كاهلهم أعباء شهر الصيام والاحتياجات المتزايدة.
لقد أحدث إعلان الوالي بتمديد مجانية سلة رمضان موجة عارمة من الابتهاج والتقدير بين صفوف العاملين واسرهم في الولاية، فالفرحة التي عمتهم لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت نتاج توقعات سابقة بأن تكون كسابقتها. ففي بيئة اقتصادية تتسم بالتحديات، يصبح أي عبء مالي إضافي مصدر قلق كبير للأسر. وعندما تولي اتحاد العمال مهامه بعد فترة من الغياب، سادت خشية لدى الكثيرين من أن يتم تحويل هذه المساعدات الموسمية إلى استقطاعات إلزامية من الرواتب، وهو سيناريو شائع في السابق .
لكن الوالي ود الشواك، بقراره الحاسم والصريح، تبددت هذه التكهنات وأثبت أن التزامه تجاه العاملين يتجاوز الوعود الشكلية. الكلمة الموجزة التي ألقاها الوالي، والتي لم تتجاوز ست وثلاثين ثانية، كانت قوية ومؤثرة. في هذا الوقت القصير، نجح في تحية العاملين وتقديم بشرى المجانية والدعاء لهم بالخير. هذه المبادرة القصرية والمباشرة هي ما يميز القيادة الفعالة، وقدرتها على إيصال رسالة مهمة بأقل قدر من الإطالة، مركزة على الجوهر وهو دعم المواطن.
إن توزيع سلة رمضان مجانا، للمرة الثانية على التوالي، يضع ولاية القضارف في مصاف الولايات الرائدة في مجال الرعاية الاجتماعية للعاملين. هذا النوع من الدعم يتجاوز مجرد توفير المواد الغذائية الأساسية؛ إنه يعكس وعيا عميقا بالتحديات المعيشية التي تواجه شريحة الموظفين الذين يمثلون عصب الإدارة العامة والخدمات في الولاية. إن الرواتب في كثير من الأحيان لا تتناسب مع معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، خاصة مع اقتراب شهر رمضان الذي تزداد فيه الحاجة للسلع الاستهلاكية.
تتجلى أهمية هذا القرار في الاستجابة الشعبية التي *رُصِدَت* بوضوح عبر مواقع التواصل الاجتماعي. إن تدفق عبارات الشكر والتقدير لم يكن مجرد رد فعل عابر، بل كان تعبيرا صادقا عن الامتنان لشخص يرى في العاملين شركاء حقيقيين في التنمية، وليسوا مجرد أرقام في ميزانية الدولة.
لقد استطاع الوالي أن ينصف هذه الشريحة المغلوب على أمرها، فهي فئة تعتمد كليا على جهودها الذاتية وتحتاج إلى دفعة معنوية ومادية من القيادة، إن مثل هذه الأفعال تبني جسورا من الولاء والانتماء المؤسسي، مما ينعكس إيجابا على جودة الأداء الوظيفي والإنتاجية العامة في الولاية.
من منظور إداري وأخلاقي، تعتبر هذه المبادرة مثالا يحتذى به في مفهوم المسؤولية الاجتماعية للحكومة الولائية، ففي كثير من الولايات والمؤسسات، يتم تحويل مثل هذه المساعدات إلى آليات استقطاع، حيث يُنظر إليها كنوع من القروض أو السلف التي يجب سدادها، مما يمحو الأثر الإيجابي للمساعدة. أما في القضارف، فقد تم التعامل مع السلة كحق مكتسب للعاملين في ظل الظروف الراهنة الصعبة التي تعيشها الأسر ، مما يؤكد أن القيادة تضع الإنسان في مقدمة الأولويات. هذه المبادرة تستوجب منا الشكر والتقدير العميق ليس فقط من العاملين أنفسهم، بل من أسرهم أيضا، التي تستفيد بشكل مباشر من هذا الدعم السخي.
إن نجاح هذه المبادرة يتطلب تخطيطا ماليا وإدارياً دقيقا لضمان توفير التمويل اللازم دون المساس بالاحتياجات الأساسية الأخرى للولاية. نجاحها مرتين متتاليتين يشير إلى أن هناك رؤية إدارية حكيمة تستطيع تدبير الموارد وتوجيهها نحو الهدف الأكثر إلحاحا، وهو دعم قاعدة الموظفين. هذا يمثل درساً في كيفية إدارة الأزمات الاقتصادية عبر استخدام الموارد المتاحة بذكاء وإنسانية.
تمثل مبادرة والي القضارف الفريق ود الشواك بتوزيع سلة رمضان مجانا للمرة الثانية عملا قياديا ملهما. إنه يجسد مفهوم القيادة الخادمة التي تسعى لتخفيف الأعباء عن موظفيها، مما يولد شعورا عميقا بالعدالة والتقدير المتبادل. الفرحة التي عمت العاملين كانت الدليل الأوضح على أهمية هذه الخطوة، وهي تؤكد أن الإدارة التي تضع كرامة مواطنيها وعاملين في اعتبارها، حتى عبر مبادرات بسيطة نسبيا لكنها ذات أثر كبير، هي الإدارة التي تحظى بالاحترام والنجاح في تحقيق أهدافها التنموية والخدمية. هذا النموذج يستحق أن يكون معيارا لتقييم أداء القيادات في مختلف المستويات الإدارية في السودان.
شكرا الفريق ود الشواك