صُدفة خيرٌ من ألف ميعاد.. هكذا يمكن النظر إلى حدثين كنت حضورا عند وقعا أمس الأول واليوم، إن يشاهد المرء القانون يُطبق بصرامة ودون محاباة، فإن ذلك يدخل في النفس السرور ويبعث على الارتياح.
أمس الأول، وعند تقاطع الطبق السوري بسوق كسلا، وفي الطريق المؤدي إلى الموقف العام، حاول نظامي يرتدي الزي الرسمي ويقود دراجة نارية أن يسلك عكس اتجاه السير رغم ضيق الشارع. إلا أن رجل المرور الذي كان ينظّم الحركة أوقفه وطالبه بالعودة من حيث أتى وعدم مخالفة الاتجاه، وأصر على موقفه القانوني، فلم يجد قائد الدراجة إلا الانصياع لتوجيهاته.
واليوم، وعند منتصف النهار، حاول نظامي آخر يقود دراجة نارية بلوحات نظامية أن يعكس حركة السير في ذات الطريق الضيق بالقرب من الطبق السوري. لكن رجل المرور أوقفه أيضًا، وكأن لسان حاله يقول: “نحن من نطبّق القانون وعلينا احترامه بدلاً من خرقه”. وتحت إصراره لم يجد النظامي إلا أن يعود أدراجه.
كنت شاهدًا على هذين الموقفين اللذين قد يبدوان للبعض عاديين، لكن عندي كان الأمر أكبر من ذلك. نعم، رجل المرور مارس صلاحياته دون مجاملة لزمالة، كما أن من كانا يقودان الدراجتين امتثلا للقانون لأنهما أدركا خطأهما. وهذا أمر جيد؛ فمن انحاز إلى مهنته وطبق القانون، ومن انصاع له دون أن تأخذه العزة بالإثم ويظن أنه فوق القانون، كلاهما جسّد السلوك الصحيح.
باختصار، هكذا تنهض الأمم التي وضعت القانون لتنظيم حياتها. فكل فرد يعرف أين تنتهي حقوقه وأين تبدأ واجباته. قانون يسري على الصغير والكبير ،الخفير والمدير والوزير دون استثناء، يجد الاحترام ويحرسه الجميع لإدراكهم التام أنه البوصلة نحو حياة يسودها العدل.
ما فعله شرطي المرور أمس واليوم هو ما ينبغي أن يسود: أن يكون القانون مقدسًا، وأن تكون ثقافة الانصياع له كما فعل النظاميان مسلكًا صحيحًا يذكّر رجل القانون بأنه يجب أن يكون أكثر حرصًا عليه من غيره لأنه القدوة للمواطن. وبكل صدق، مثلما أعجبني تمسك الشرطي بموقفه، فقد نظرت إلى استجابة زميليه باحترام. فهكذا يجب أن يكون الجميع سواسية أمام القانون، والذي إن طبقناه في كل مناحي حياتنا واحترمناه، فإن واقعنا سيتغير إلى الأفضل.
قريبًا من ذلك، كنت متابعًا لقضية أحد أصدقائي بدولة خليجية يعمل فيها بائعًا للأعلاف. تأخر مواطنون وأجانب في سداد ما عليهم وتراكمت الديون، فلم يجد غير اللجوء إلى القانون ودوّن ضدهم بلاغات. ما حدث أدهشني؛ إذ أسرع المدينون من مواطني الدولة إلى سداد ما عليهم، وكان كل واحد يطالب بشطب البلاغ ضده. سألته عن سبب السرعة في السداد والمطالبة بشطب البلاغ، فقال: إن وقوف المواطن أمام المحكمة في تلك الدولة، حتى إذا بُرئ، فإن لذلك تبعات تلاحقه في عمله وتعاملاته المصرفية وتحرمه من امتيازات كثيرة لمجرد تدوين بلاغ ضده.
إن كنا نريد التطور، فعلينا أن نحرص على تطبيق القانون كما فعل شرطي المرور عند تقاطع الطبق السوري، وأن نحترمه وننصاع له كما فعل النظاميان اللذان كانا يقودان الدراجتين الناريتين.