لست من أنصار الانفعال…أي تجربة إنسانية، مهما بلغت درجة جودتها وكفاءة القائمين عليها، لا يمكن أن تصل إلى حد الكمال. ومن الطبيعي أن تعتريها أوجه قصور وإخفاق. وتجربة الخلية الأمنية بولاية،كسلا باعتبارها قوة مشتركة تقوم على التنسيق والعمل بروح الفريق الواحد، ليست استثناءً من هذه القاعدة؛ فهي لم تأتِ محض شر، كما أنها ليست مبرأة من العيوب.
وبحكم كونها أحد أجهزة الدولة السودانية، فمن الطبيعي أن تخضع للنقد عند الإخفاق، وللإشادة عند تحقيق النجاح، إذ لا قدسية لأي مؤسسة تعصمها من المراجعة أو التصويب، متى ما انحرفت عن مسارها.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة حديث رئيس هيئة الأركان، الفريق أول ياسر العطا، حول ضرورة دمج القوات المساعدة ضمن منظومة الجيش، باعتباره إدراكًا لأهمية وجود جيش موحد، كما هو الحال في معظم دول العالم.
فرغم الظروف التي أدت إلى تعدد القوات في السودان، تظل العبرة في تصحيح المسار، والاعتراف بالأخطاء، والعمل نحو إصلاح شامل يقود إلى جيش مهني موحد تنصهر فيه كافة التشكيلات تحت مظلة واحدة.
ولا يقتصر هذا التوجه على المؤسسة العسكرية فحسب، بل يمتد ليشمل تعزيز أداء الشرطة وجهاز المخابرات، بحيث يؤدي كل جهاز دوره باستقلالية وكفاءة، في إطار من التنسيق المؤسسي المنضبط.
لقد فرضت ظروف الحرب إنشاء الخلية الأمنية، لتعمل كآلية تنسيق عال المستوى بين الأجهزة العسكرية والعدلية، في مهام محددة تتعلق بالتصدي للتهديدات المرتبطة بمليشيا الدعم السريع. وبطبيعة الحال، فإن هذه المهام محكومة بالقوانين واللوائح المنظمة. ومن المتوقع، مع انقشاع الأزمة، أن تعود كل وحدة من مكونات هذه الخلية إلى مؤسستها الأصلية.
غير أن أداء الخلية الأمنية بولاية كسلا بات يحتاج إلى نقاش أوسع وتقييم موضوعي. فقد كشفت قضية الطالب محمد سيف، وما تبعها من تحركات لاتحاد المحامين، عن أهمية مراجعة صلاحيات الخلية، والتأكد من التزامها بالإطار القانوني المحدد.
فالأصل في عمل الأجهزة النظامية أنه لا توجد صلاحيات مطلقة، بل اختصاصات محددة يجب الالتزام بها. وإدراج جرائم جنائية عادية، مثل قضايا السرقة، ضمن مهام الخلية الأمنية، يمثل تمددًا على حساب اختصاصات الشرطة، ويعكس نوعًا من تداخل الصلاحيات الذي يضعف المؤسسية ويؤثر على كفاءة الأداء العام.
وعلى ضوء ذلك، فإن قضية الطالب محمد سيف كشفت عن وجود أخطاء قانونية، وهو ما تؤكده الاتصالات المركزية التي تناولت هذه الواقعة. الأمر الذي يستدعي إعادة تعريف مهام الخلية الأمنية بدقة، وحصرها في نطاقها الطبيعي، بعيدًا عن أي تقاطعات قد تضر بصورة أجهزة الدولة.
وفي المحصلة، فإن الإصلاح المؤسسي، وضبط الاختصاصات، وتعزيز سيادة حكم القانون، تظل جميعها عوامل أساسية لضمان أداء مهني رشيد يحفظ الحقوق ويعزز الاستقرار.