أنا من عشّاق هذه الدولة العريقة؛ فقد كان أجدادي يقيمون فيها لأكثر من أربعين عامًا، وعاش والدي بها عشرين عامًا، وزرتها أنا أكثر من عشرين مرة.
لم أشعر يومًا بأنني غريب فيها.
أكثر ما يعجبني فيها اهتمامهم بالأدب والثقافة والفنون.
مؤخرًا زرتها، واستمتعت بوجودي في مكان هادئ أراقب فيه المشهد الثقافي والسياسي عن بُعد، فيستدعي خيالي ذلك الكرم الفيّاض الذي قدموه لشعبنا المكلوم بسبب الحرب اللعينة التي فُرضت علينا.
وأتابع رحلات التدفق الهائل لملايين السودانيين الذين نزحوا إلى مصر عبر ممرات ومسارات غير قانونية بسبب الحرب، بينما ترصد السلطات كل ذلك بعيون ساهرة وقلب مفتوح، دون تضجّر أو إغلاق، حتى بلغ العدد ملايين، وطال أمد النزوح سنوات وسنوات.
والآن، وبفضل قيادتنا الرشيدة وصلابة جيشنا وصموده، استطاعوا توفير الأمن والأمان في معظم مناطق التمرد، وتحررت كثير من المدن الرئيسية، وأهمها العاصمة الخرطوم، التي أصبحت آمنة مطمئنة، تتوفر بها كثير من الخدمات الضرورية.
ورغم يقيني بأن أعدادًا مهولة تستعد للعودة بعد عطلة عيد الأضحى المبارك، إلا أنني أرى أنه قد حان الوقت لنجدد الشكر لمصر الحبيبة، ونستأذنها للمغادرة الطوعية.
وإن كان لنا من طلب نقدمه لمصر الشقيقة ونحن على أبواب المغادرة، فهو أن يظل باب التواصل مفتوحًا بيننا، وألا ينقطع، وأن يكون لنا نصيب وافر من التميّز في التعامل مستقبلًا، لخصوصية العلاقة بين الشعبين، وأن نعود لتفعيل الاتفاقيات الأربع السابقة، ولو بشيء من التعديل الذي تقتضيه الظروف الأمنية والسياسية التي يعيشها البلدان.
وليتنا نخفف من قيود التأشيرة، خاصة لكبار السن، والراغبين في العلاج بأرض الكنانة، وكذلك الذين يمتلكون شققًا سكنية أو عقارات؛ وأتمنى أن تُمنح لهم الإقامة الدائمة بمجرد إثبات ذلك للسلطات.
حفظ الله مصر، بحق مريم وأبيها وبعلها وذريتها، والنور الذي فيها،
وحفظ الله وطننا، وشفاه وعافاه من كل كرب وتعب وألم.