الأمل نيوز
الأمل نيوز

كسلا.. بين جماع والأزرق: عندما تختبر الوطنية بالمواقف 

 

بقلم: سيف الدين آدم هارون

 

كسلا لا تحتاج لمن يعرّف بها. هي المدينة التي تعرف كيف تكرم ضيفها، وكيف تجعل من الزائر ابناً لها قبل أن يغادرها. هذه السجية لم تكن وليدة اللحظة، بل تاريخ طويل من المواقف التي أكدت أن “الضيافة” عند أهل كسلا فعل وطني قبل أن يكون عادة اجتماعية. آدم جماع والدورة المدرسية

في أواخر عهد الإنقاذ، استضافت كسلا الدورة المدرسية القومية. يومها كان الوالي آدم جماع. رجل لم يولد في كسلا، لكنه فهمها جيداً. أدرك أن الحدث أكبر من مجرد منافسات طلابية. استنفر الولاية كلها، رسمياً وشعبياً، وحول المناسبة إلى مشروع تنموي وثقافي. خرجت كسلا من تلك الدورة بإستاد أولمبي، ومسرح تاجوج، وبنية تحتية ما زالت شاهدة. اختلفنا مع جماع أو اتفقنا، لكنه نجح في جعل كسلا حديث السودان، وأثبت أن القيادة هي أن ترى في الأزمة فرصة.

 

الصادق الأزرق ومهرجان الكرامة

اليوم كسلا على موعد مع حدث لا يقل وطنية: ختام الفعاليات الرياضية للجامعات ضمن مهرجان الكرامة. حدث عنوانه دعم القوات المسلحة، وإحياء ذكرى الشهداء، وتجديد العهد الوطني في زمن الحرب.

لكن المفارقة أن حكومة الولاية بقيادة الصادق الأزرق أعلنت عدم قدرتها على الصرف منفردة، وطالبت المركز بالمشاركة. الخبر كان صادماً. فكيف لكسلا، ولاية التاريخ والكرم، أن تعتذر عن استضافة مناسبة جوهرها “الكرامة”؟

بين المشهدين: سؤال المسؤولية

لا أحد ينكر أن الظرف مختلف. جماع حكم في زمن استقرار نسبي، والأزرق يحكم في زمن حرب ونزوح. ميزانية الولاية اليوم مثقلة بملفات الإيواء والصحة والخدمات. هذا مفهوم.

لكن الوطنية تختبر في الضيق لا في السعة. مهرجان الكرامة ليس حفلاً ترفيهياً. هو رسالة. رسالة أن السودان ما زال قادراً على أن يلتقي، وأن يتنافس طلابه، وأن يغني فنانيه، رغم صوت المدافع. والرسالة هذه لا تحتاج مالاً فقط، تحتاج إرادة.

 

آدم جماع عندما استنفر كسلا لم يعتمد على خزينة الولاية وحدها. استنفر التجار، والمجتمع، والشباب. حوّل الدورة المدرسية إلى “نفير قومي” مصغر. أما أن ترفع الولاية يدها قبل أن تبدأ، فهذا يضعف المعنى الرمزي للحدث كله.

 

كسلا أكبر من الاعتذار

مطالبة المركز بالدعم حق إداري، لكن إدارة الظهر للحدث خطأ سياسي ووطني. كان الأجدر بالوالي الأزرق أن يقول: “كسلا ستستضيف، وبأبنائها قبل خزينتها”، ثم يطالب المركز بالسند. أما أن يبدأ الخطاب بالعجز، فهو يرسل إشارة خاطئة في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لإشارات القوة.

 

الرياضة والثقافة في زمن الحرب ليست ترفاً. هي بندقية أخرى في معركة الصمود. وإذا كانت كسلا قد نجحت بالأمس في أن تجمع السودان على ملاعبها، فهي اليوم أحوج لأن تجمعه على كلمة “كرامة”.

 

التاريخ لا يذكر من اعتذر، بل يذكر من تقدم رغم الجراح. وعلى كسلا، وعلى واليها، أن يختارا أي السطرين يريدان في كتاب الوطن.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.