تُروى في البطانة حكاية لم يتسنَّ التحقق من صحتها على نحو قاطع، لكنها ظلت حاضرة في أحاديث الناس بوصفها مدخلاً لفهم علاقة المنطقة بالسلطة والتنمية. وتقول الرواية إن مجموعة من الشباب، خلال أحد المخيمات السنوية التي كان يشرفها الرئيس السابق عمر البشير في الخريف، طلبوا من بعض القيادات المحلية إتاحة الفرصة لعرض مشكلات البطانة الخدمية والتنموية على الرئيس، إلا أنهم قوبلوا بالرفض بدعوى أن “الرئيس ضيفنا، ومن العيب أن نقول لضيفنا إننا محتاجون إلى شيء”.
سواء صحت هذه الرواية أم لم تصح تصلح لاسقاطها علي واقع البطاحين، وهيا تفتح باباً واسعاً للتساؤل حول كيفية الموازنة بين القيم الاجتماعية الراسخة التي عُرفت بها قبيلة البطاحين، وفي مقدمتها الكرم والشهامة والمروءة، وبين ضرورة المطالبة بالحقوق التنموية والخدمية المشروعة.
فالكرم ظل على مر التاريخ إحدى أبرز سمات البطاحين، وهو إرث اجتماعي وأخلاقي يعتز به أبناء القبيلة، بل ويُعد جزءاً أصيلاً من هويتهم الثقافية. غير أن هذا الكرم لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تنازلاً عن الحقوق أو قبولاً بالتهميش أو صمتاً على نقص الخدمات الأساسية. فإكرام الضيف لا يتعارض مع المطالبة بالمياه النقية، والمدارس المؤهلة، والمراكز الصحية، والطرق، والكهرباء، وغيرها من متطلبات الحياة الكريمة.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: هل استغلت الحكومات المتعاقبة صبر أهل البطانة وطيبتهم، فظلّت المنطقة تعاني من ضعف التنمية والخدمات لسنوات طويلة دون أن تجد من يطالب بحقوقها بالصوت الكافي؟ أم أن بعض الخطاب الاجتماعي رسّخ فكرة أن أهل المنطقة، بحكم كرمهم وأصالتهم، ينبغي أن يتحملوا الواقع دون إلحاح في المطالب؟ أم أن المشكلة تكمن في عجز بعض القيادات والرموز عن تحقيق التوازن بين المحافظة على الموروث الاجتماعي وبين الدفاع عن الحقوق المشروعة لأهلهم؟
إن القيم الإسلامية نفسها لا ترى أي تعارض بين الأمرين. فالدين الحنيف دعا إلى إكرام الضيف وإحسان وفادته، لكنه في الوقت ذاته أمر برد الحقوق إلى أهلها، وحث على المطالبة بها بالوسائل المشروعة. ولذلك لا يوجد تناقض بين أن يكرم الإنسان ضيفه، وبين أن يقول للمسؤول بكل احترام: هذه منطقتنا، وهذه احتياجاتها، وهذه حقوق أهلها التي يجب أن تجد طريقها إلى التنفيذ.
إن المطالبة بالحقوق ليست خروجاً على قيم الكرم، بل هي مسؤولية أخلاقية تجاه الأجيال القادمة.فالكرم خلق نبيل يحفظ مكانة المجتمع وسمعته، أما التنمية فهي حق أصيل لا يجوز التفريط فيه. ولا ينبغي أن يكون أحدهما على حساب الآخر.
لقد آن الأوان لإعادة النظر في هذه المعادلة، ليس في البطانة وحدها، بل في كثير من المناطق التي ظلت تضع حسن الاستقبال فوق أولوية المطالبة بحقوقها. فالمسؤول الذي يزور منطقة ما يجب أن يسمع من أهلها ما تحتاج إليه بقدر ما يلمس من كرمهم وحفاوتهم. بل إن المصارحة بالاحتياجات الحقيقية قد تكون أصدق أشكال الاحترام للمسؤول الجاد الساعي إلى خدمة المواطنين.
يبقى الكرم قيمة عظيمة لا خلاف حولها، لكن الحقوق لا تُصان بالصمت، ولا تتحقق بالأماني وحدها، وإنما بالمطالبة الواعية والمنظمة والمستمرة. وربما يحتاج البطاحين اليوم إلى قراءة متأنية لتجربتهم التاريخية، بحثاً عن الصيغة التي تجمع بين أصالة الموروث الاجتماعي وضرورة انتزاع الحقوق التنموية المشروعة، لأن المجتمع الذي يُحسن العطاء يستحق أيضاً أن ينال نصيبه العادل من التنمية والخدمات.