كتب .. سيف الدين ادم هارون
في زمن صار فيه “الكيبورد” سلاحًا للمزايدة، و”المنشور” بديلًا للإنجاز، يبرز سؤال بسيط ومباشر من الذي يترك أثرًا؟
الأستاذ محمد طاهر عمر مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية عاد إلى كسلا. في زيارة عمل استمرت 96 ساعة من الانجازات واللقاءات ومتابعة تنفيذ مشاريع وزيارات ووعودات خضراء وجولات في القطاعات المجتمعية، وملفات مفتوحة على طاولات الخدمات. فجأة ارتفع الضجيج. نفس النغمة القديمة: “فترته انتهت. لماذا يحشد؟”
كأن العطاء يحتاج تفويضًا، وكأن خدمة الناس مشروطة بكرسي. فإن لغة الأرقام لا تكذب
بعيدًا عن صراخ الصفحات، هناك وقائع لا تحتاج مترجمًا ،المسؤولية المجتمعية ما يزيد عن 50 مليون دولار أنفقت مباشرة في مشاريع خدمية. ليست وعودًا، بل مدارس ومياه وصحة وصلت للناس ،البنية التحتية والصحة صروح طبية، ومستشفيات، وإعادة تأهيل لقطاعات ظلت لسنوات تنتظر من يلتفت إليها. التعليم والبحث العلمي ، من دعم كلية الصيدلة بجامعة كسلا، إلى رئاسة مجلس إدارة الجامعة، إلى رعاية مشروعاتها البرجية والتنموية. إضافة إلى دور مباشر في احتواء توترات مجتمعية وطي صفحات خلاف كان يمكن أن تكبر ،هذه ليست إنشاء. هذه عناوين في كشوفات، وطوب في مباني، وطلاب في قاعات ،العطاء لا يسقط بانتهاء الفترة
الفرق الجوهري هنا، البعض يرى العمل العام “تذكرة مرور” تنتهي بانتهاء المنصب. ومحمد طاهر يرى الأمر انتماءً ، من يقيس الناس بمقياس المنصب سيظل يسأل “لماذا الآن؟”
ومن يقيس بالحاجة سيقول “الوقت الآن”.
الالتزام تجاه كسلا والسودان ليس قرارًا إداريًا يصدر ثم يلغى. هو التزام أخلاقي سابق على السلطة وباقٍ بعدها ، الميدان يفرز
سهل جداً أن تكتب مقالًا فيه سطرين تشكيك. وصعب جداً أن تقف في الميدان، وتقنع جهة تمول، وتتابع تنفيذ، وتتحمل تبعات التأخير والفشل والنجاح ،التاريخ لا يحفظ من نثر الحبر. التاريخ يحفظ من بنى مستشفى استقبل المرضى، ومن شد أزر جامعة فتخرج منها أطباء، ومن قدم خدمة سدت جوع الحاجة وقت الضيق.
ليواصل أصحاب “الكيبورد” ضجيجهم. فالضجيج مجاني.
وليواصل أهل العطاء عملهم. فالعمل هو الذي يبقى ،والأرض في النهاية لا تحتفي بالعناوين. الأرض تحتفي بالمُنجزين.