من المؤكد أنه اهتز المجتمع بأكمله على وقع حوادث ضبط عدد من الطلاب هنا وهناك وهم يتناولون مواد مخدرة داخل أسوار المدارس، تلك الأماكن التي يفترض أن تكون منارات للعلم والمعرفة، وواحات آمنة لنمو الأجيال القادمة. هذه الحوادث ليست مجرد وقائع فردية عابرة، بل هي مؤشر خطير ينذر بانهيار منظومة القيم والأمان الاجتماعي. إن صدمة المجتمع تنبع من تناقض صارخ : “فالمدرسة” هي معقل بناء المستقبل، *والمخدرات هي قاطرة لتدمير هذا المستقبل. إن التهاون في التعامل مع هذه الآفة يمثل قتلا صامتا للوطن، مما يستدعي تدخلا عاجلا وحازما من كافة السلطات المعنية على المستويات المحلية والولائية والمركزية.
تعتبر المؤسسة التعليمية الركيزة الأساسية لتنشئة الأفراد القادرين على المساهمة الفعالة في بناء مجتمعاتهم.
عندما يتم اختراق هذا الحصن من الداخل عبر انتشار المخدرات، فإن الثقة في النظام التعليمي بأكمله تتزعزع و الشاب او الطالب الذي يتم ضبطه وهو تحت تأثير المخدرات ليس مجرد طالب منحرف، بل هو ضحية لشبكات إجرامية تستهدف الفئة الأكثر ضعفا وحاجة للتوجيه،تتجاوز هذه المشكلة حدود السلوك الفردي لتصبح قضية أمن قومي وصحة عامة، لأن الطلاب هم الثروة البشرية التي نراهن عليها لضمان استمرارية التنمية والازدهار.
ماهي الأسباب وراء التعاطي
إن الأسباب الكامنة وراء لجوء الطلاب إلى المخدرات متعددة ومتشابكة. *أولها* ، تلعب البيئة الأسرية دورا محوريا، *فغياب الرقابة* الأبوية الكافية، أو وجود ضغوط نفسية وأسرية، يدفع المراهقين للبحث عن ملجأ مؤقت في هذه المواد الكيميائية لتخدير آلامهم أو إثبات الذات ضمن جماعات الأقران. *ثانيا* ، يبرز دور البيئة المدرسية نفسها. قد يشعر بعض الطلاب بالتهميش أو الإحباط نتيجة الضغوط الأكاديمية أو ضعف التواصل مع المرشدين الاجتماعيين والنفسيين. إذا كانت المدرسة تفتقر إلى برامج توعية فعالة ومستمرة حول مخاطر الإدمان، أو إذا كانت إجراءات الرقابة الداخلية ضعيفة، فإنها تخلق فراغا تستغله شبكات التوزيع بسهولة.
الخطر الأكبر….
الأخطر في الأمر هو سهولة وصول المروجين إلى محيط المدارس. تشير العديد من التقارير الأمنية إلى أن تجار المخدرات يتفننون في إخفاء السموم وتوزيعها مستغلين نقاط الضعف في الحراسة أو غياب التفتيش الدوري الفعال. إن العثور على هذه المواد داخل المدارس ذاتها، كما حدث في الحوادث الأخيرة، يكشف عن اختراق أمني خطير يستلزم مراجعة فورية لبروتوكولات الأمن والسلامة في المنشآت التعليمية.
الآثار المترتبة
إن الآثار المترتبة على هذا التعاطي داخل المدارس وخيمة ومتعددة الأوجه.
على المستوى التعليمي.. ، يتدهور مستوى التحصيل الدراسي للطلاب المدمنين بشكل حاد، مما يؤدي إلى التسرب الدراسي المبكر وفقدانهم لفرصهم المستقبلية. “على المستوى السلوكي “، تزداد حالات العنف والعدوانية واللامبالاة داخل الفصول الدراسية، مما يعطل العملية التعليمية لزملائهم. أما *على المستوى الصحي* ، فإن التعاطي في سن مبكرة يفتح الباب أمام الإدمان المزمن والأمراض النفسية والجسدية التي تثقل كاهل النظام الصحي والمجتمع ككل.
نداء استغاثة،،
في ظل هذه الكارثة، لا يمكن ترك المسؤولية تقتصر على إدارات المدارس وحدها. إن نداء الاستغاثة الموجه إلى السلطات المحلية والولائية والمركزية هو نداء ضروري وحتمي. يجب أن يكون التدخل شاملا ومتعدد المستويات.
*على المستوى المركزي* ، يتوجب على وزارة التربية والتعليم، بالتعاون مع وزارة الصحة ووزارة الداخلية، وضع استراتيجية وطنية صارمة لمكافحة المخدرات تستهدف الطلاب بشكل خاص، يجب تفعيل المناهج التوعوية بشكل إلزامي وجذاب، لا يقتصر على مجرد محاضرة سنوية تقام في المحليات والولايات ، بل يتضمن تدريبا مستمرا للمعلمين والأخصائيين الاجتماعيين على كيفية اكتشاف العلامات المبكرة للتعاطي والتعامل معها بسرية ومهنية.
أما *على المستوى الولائي* ، فيجب تفعيل دور الأجهزة الأمنية لتكثيف الرقابة في محيط المدارس وضبط المروجين الذين يستغلون *براءة الطلاب* . لا ينبغي الاكتفاء بضبط الطالب المتعاطي، بل يجب تتبع سلسلة التوريد وصولا إلى الشبكة التي تزوده بهذه السموم.
يجب تفعيل دور لجان حماية الطفولة والمراهقين في كل ولاية لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي اللازم للطالب المعني، وتحويله إلى مراكز إعادة تأهيل متخصصة بدلا من الاقتصار على *العقوبات التأديبية المدرسية التي غالبا ما تكون غير مجدية.*
*على المستوى المحلي* ، تقع مسؤولية جسيمة على عاتق إدارات المدارس. يجب إجراء تفتيش دوري وغير معلن، وتطبيق سياسات صارمة ضد أي تهاون من قبل الأطقم الإدارية والتعليمية. يجب إعادة بناء جسور الثقة بين أولياء الأمور وإدارة المدرسة لضمان تواصل فعال ومستمر حول سلوكيات الأبناء.
*إن المشاركة المجتمعية* ، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية، يجب أن تكون جزءا لا يتجزأ من منظومة الحماية هذه.
*ختاما*
إن التهاون، كما ذكرنا، يقتل بصمت. كل يوم يمر دون إجراءات حاسمة هو يوم يضيع فيه طالب جديد بين أيدي هذه الآفة. إن ظاهرة تعاطي المخدرات في المدارس هي انعكاس لأزمة مجتمعية أعمق تتطلب مقاربة شمولية لا تقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل تشمل الجوانب التربوية والاجتماعية والنفسية. يجب أن يدرك الجميع أن حماية الطلاب ليست مجرد واجب، بل هي استثمار في مستقبل الأمة، إذا لم تتحرك السلطات بشكل فوري ومنسق، فإننا نخاطر بتحويل مدارسنا إلى بؤر للجريمة والضياع بدلا من كونها منارات للمعرفة والأمل. إن اللحظة المناسبة للتدخل هي الآن، قبل أن يتحول الضرر إلى كارثة لا يمكن إصلاحها.
*حسبنا الله ونعم الوكيل*