بعيداً عن النزعة القبلية الضيقة التي لا تخدم بناء الدولة، وقريباً من قيم الوحدة الوطنية التي نؤمن بها، يبرز تساؤل مشروع حول واقع مناطق قبيلة البطاحين، ذلك المكون الاجتماعي الكبير الذي ظل عبر عقود جزءاً أصيلاً من النسيج السوداني، وساهم أبناؤه في مختلف مجالات الإنتاج والعطاء الوطني دون حدود.
ورغم هذا الحضور المؤثر، فإن المتأمل في أوضاع مناطق البطاحين، خاصة في الخرطوم والبطانة، يواجه واقعاً يثير الدهشة والأسى. فهذه المناطق الشاسعة والمكتظة بالسكان، والتي تضم شرائح فاعلة ومنتجة اقتصادياً، ما تزال تفتقر إلى كثير من الخدمات الأساسية ومقومات التنمية التي يفترض أن تكون حقاً مكفولاً لمواطنيها، شأنها شأن بقية مناطق السودان.
وهنا تفرض الأسئلة نفسها: أين تكمن المشكلة؟ هل يعود الأمر إلى سياسات حكومية ظلت تتعامل مع التنمية وفق معايير الاستجابة للضغوط والمطالبات، تاركة المناطق الهادئة خارج دائرة الاهتمام؟ أم أن جزءاً من المسؤولية يقع على عاتق القيادات المحلية والاجتماعية التي آثرت الصمت أو اكتفت بالمطالبة المحدودة، فاستمر واقع التهميش دون معالجة حقيقية؟
أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات موضوعية، بعيداً عن الانفعال أو تبادل الاتهامات. فالحديث عن التنمية والخدمات ليس مطلباً قبلياً، بل حق مشروع لأي مجتمع يسهم في بناء الوطن ويشارك في نهضته.
ومن هذا المنطلق، سنبدأ اعتباراً من اليوم في تسليط الضوء على واقع مناطق البطاحين، من حيث الخدمات والتنمية والبنى التحتية، إضافة إلى قراءة موضوعية لحجم تمثيل أبناء القبيلة في الحكومات المتعاقبة ومواقع اتخاذ القرار، وذلك بهدف إثارة نقاش جاد حول الحقوق والواجبات، وتحفيز الوعي المجتمعي بأهمية المطالبة بالتنمية المتوازنة والعدالة في توزيع الخدمات.
فالغاية ليست البحث عن مكاسب خاصة، وإنما الإسهام في بناء وطن يتساوى فيه الجميع في الحقوق والفرص، وتجد فيه كل منطقة نصيبها العادل من التنمية والاهتمام.