في قلب منطقة شرق النيل، حيث تشرق الشمس على أراضٍ عريقة بتاريخها وإنسانها، تبرز قرية أبو زليق كواحة من العطاء والبناء، تقودها قبيلة البطاحين في مسيرة وطنية جادة لإعادة الإعمار والتنمية. هنا، حيث يلتقي الإرث القبلي الأصيل مع المسؤولية الوطنية، تمضي القبيلة بخطى ثابتة نحو تأهيل المرافق الحيوية التي تشكل أساس الاستقرار والازدهار.
في مشهد يعكس أسمى معاني التضامن الاجتماعي والمسؤولية المجتمعية، اجتمع نفر كريم من أبناء البطاحين تحت قيادة رجل البر والإحسان، علي حسن يوسف، الذي اشتهر بيده الممدودة بالخير والعطاء، ليسهموا مع الخيرين من أبناء القبيلة في إعادة تأهيل وتطوير محكمة وقسم شرطة أبو زليق، باعتبارهما حجر الأساس في بناء دولة القانون والمؤسسات.
عطاء يتجذر في التربة والوجدان
لم يكن عطاء البطاحين وليد اللحظة، بل هو امتداد لجذور ضاربة في عمق التاريخ، حيث توارثت الأجيال قيماً تجعل من العطاء واجباً، ومن البذل شرفاً. فمن حفر الآبار لتوفير ماء الشرب النقي، إلى تركيب ألواح الطاقة الشمسية لسد الفجوة في التيار الكهربائي للمنازل والمؤسسات مثل المساجد وبيارات المياه، تمضي القبيلة في مسيرة عطاء لا تعرف الكلل أو الملل.
وفي مشروع المحكمة والشرطة، تجسدت هذه القيم بأسمى صورها، حيث مثلت هذه المرافق الحيوية حاجة مجتمعية ملحة، إذ لا تطور ولا تقدم من دون أمن ونظام، ولا استقرار من دون تطبيق للعدالة. فهذه المؤسسات ليست مباني من طوب وإسمنت فحسب، بل هي ركيزة أساسية لبناء مجتمع تسوده سيادة القانون، وتُصان فيه الحقوق، وتُردع فيه الجريمة.
*سواعد تبني وهمم تتحدى الصعاب*
ما يميز هذا العمل الوطني أنه جاء ثمرة جهد متواصل لأناس سخروا وقتهم وطاقتهم، وتركوا أهلهم وأولادهم للإشراف على سير العمل، من أجل أن تخرج هذه المؤسسات إلى النور بأفضل صورة. ويبرز في هذا الصدد الدكتور محمد حسن موسى، الذي سهر على متابعة كل تفاصيل المشروع، معبراً بتفانيه عن عمق الانتماء والمسؤولية.
ولا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز دون ذكر شيخ العرب خالد يوسف، وأولاد العمدة الحبر الشيخ طه، والعمدة عبد الرزاق العمدة حسن، وغيرهم من أبناء عمومتهم وإخوانهم الذين بذلوا الغالي والنفيس من أجل إنجاز هذا الصرح الوطني، ممثلين بذلك رمزاً للقيادة المجتمعية الحكيمة التي تدرك أن التنمية الحقيقية تبدأ من تأسيس مؤسسات الدولة الراسخة.
كما ساهم العديد من أبناء البطاحين بمالهم وجهدهم، في تعاون نادر يجسد معنى “اليد الواحدة لا تصفق”، فكان عطاؤهم كالمطر الذي لا يتوقف، يسقي أرض التنمية لتنبت ثمار الاستقرار والازدهار.
مؤسسات الدولة.. منطلق التنمية الشاملة
يؤكد هذا المشروع الوطني حقيقة جوهرية، وهي أن بناء مؤسسات الدولة القوية والعادلة هو المدخل الحقيقي لأي تنمية مستدامة. فالمحكمة تمثل حصن العدالة الذي يلجأ إليه الناس لحماية حقوقهم، وقسم الشرطة هو حارس الأمن الذي يحفظ سلامة المجتمع ومكتسباته.
ولعل أبناء البطاحين قد أدركوا هذه الحقيقة بعمق، فسخروا إمكاناتهم لبناء هذه المؤسسات، معتبرين ذلك استثماراً في مستقبل المنطقة وأبنائها. فبقدر ما تحتاج التنمية إلى طرق ومدارس ومستشفيات، تحتاج أيضاً إلى عدالة ناجزة وأمن مستقر، وهما الأساس المتين الذي تُبنى عليه كل مرافق الحياة الأخرى.
رسالة وطنية تتجاوز الحدود الجغرافية
ما قامت به قبيلة البطاحين في أبو زليق يمثل نموذجاً يُحتذى به على مستوى السودان كله، حيث تتحمل المجتمعات المحلية مسؤوليتها في مسيرة البناء والتعمير، بالتعاون مع مؤسسات الدولة. وهو نموذج يؤكد أن التنمية عندما تنبع من داخل المجتمع، وتُبنى بإرادة أبنائه، تكون أكثر استدامة وأعمق أثراً.
كما أن هذا العطاء يمثل رسالة قوية مفادها أن القبائل السودانية ليست فقط وعاءً للتراث والعادات الأصيلة، بل هي أيضاً شريك فاعل في بناء الدولة العصرية، وقادرة على قيادة مبادرات تنموية تلامس احتياجات المجتمع بشكل مباشر.
خاتمة
تبقى قبيلة البطاحين، من خلال هذا العطاء الوطني المتميز، تقدم درساً في المواطنة الفاعلة والمسؤولية المجتمعية. ففي وقت تشهد فيه العديد من مناطق العالم صراعات قبلية وطائفية، تقدم البطاحين نموذجاً مختلفاً، حيث تتحول القبيلة من إطار تقليدي إلى قوة دافعة للتنمية وبناء الدولة.
إن ما تحقق في أبو زليق ليس مجرد مبانٍ جديدة، بل هو تجسيد حي لإرادة مجتمعية قادرة على صنع التغيير الإيجابي، وعلامة مضيئة على طريق إعادة إعمار السودان ونهضته. وهو إنجاز يستحق الإشادة والدراسة، لتعميم فكرته على كل ربوع الوطن، حتى تصبح كل قرية وكل مدينة سودانية ورشة بناء وتنمية، تشارك فيها كل القبائل والجهات بروح وطنية عالية، كما فعلت البطاحين في أبو زليق.
فهنيئاً لأبو زليق بأبنائها البررة، وهنيئاً للبطاحين بهذا العطاء الوطني، الذي سيبقى محفوراً في ذاكرة المكان والإنسان، شاهداً على أن الإرادة الصادقة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والمجتمعات المحلية إلى قلاع للبناء والتعمير.