الأمل نيوز
الأمل نيوز

د. عثمان احمد صديق يكتب:محللاً بيان الادارة الاهلية و القبلية في السودان

 

مقدمة:

في خضم العواصف السياسية والعسكرية التي تهز السودان، تبرز كيانات اجتماعية عميقة الجذور كحصن للتماسك الوطني ووعاء للأمل. البيان الصادر عن الإدارة الأهلية، ممثلة في نظار وقيادات قبلية، والذي أعلن عن الدعم الكامل والمطلق للقوات المسلحة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ومنحه تفويضاً تاماً في قرارات الحرب والسلام، ليس مجرد خبر عابر. إنه وثيقة سياسية – اجتماعية تعكس دوراً محورياً تلعبه البنى التقليدية في دولة تصارع لمنع تهاوى مؤسساتها الرسمية. هذا التحليل يسلط الضوء على دور القبيلة والإدارة الأهلية في السودان في ثلاثة أطوار: ما قبل الحرب، وأثناءها، وبعدها المُتوقع، مع تقييم الأبعاد الإيجابية والتحديات المصاحبة لهذا البيان.

دور القبيلة والإدارة الأهلية قبل الحرب: الإطار التاريخي والوظيفي

قبل اندلاع النزاع المسلح الحالي، لم تكن القبيلة مجرد كيان اجتماعي عابر، بل كانت منظومة متكاملة ذات وظائف سياسية واقتصادية وقضائية واجتماعية. لطالما شكلت الإدارات الأهلية، المتمثلة في النظار والشيوخ والعمد، جسراً حيوياً بين الدولة المركزية في الخرطوم والمجتمعات المحلية في الأطراف. كانت هذه الإدارات تقليدياً مسؤولة عن:

• الإدارة المحلية: تسيير الشؤون اليومية، وحل النزاعات المحلية عبر آليات العرف والمصالحة (الجودية)، مما خفف العبء عن النظام القضائي الرسمي.

• التمثيل السياسي: كونها ناطقاً باسم جماعاتها أمام السلطة، وناقلاً لمطالبها، وعاملاً في تهدئة التوترات قبل تفجرها.

• الحفاظ على الهوية: كانت صمام امان للعادات، والتقاليد، والتراث الثقافي المتنوع الذي يشكل نسيج السودان. فقد كانت و مازالت المدرسة الأولى للقيم الاجتماعية مثل الكرم، والشجاعة، والتضامن.

• الدور الاقتصادي: إدارة الموارد المشتركة (كالمراعي والمياه) وحل النزاعات المتعلقة بها، وتنظيم الأنشطة الاقتصادية التقليدية.

في هذا السياق، لم تكن القبيلة بديلاً عن الحزب السياسي، بل كانت إطاراً عضوياً للانتماء يتعايش مع الانتماءات الوطنية والسياسية الحديثة. ومع ضعف الأحزاب وتشرذمها ازداد اعتماد الدولة والمجتمع على هذه البنى كعامل استقرار.

دور القبيلة والإدارة الأهلية أثناء الحرب: صمام الأمان الوطني

مع اندلاع الحرب الطاحنة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وانهيار الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وأمن في مناطق واسعة، تحولت الإدارة الأهلية من مؤسسة مكملة إلى مؤسسة بديلة وغالباً ما تكون الوحيدة الفاعلة. هنا تجلت أدوارها الحاسمة:

• الحماية والأمن المجتمعي: في غياب الشرطة والقضاء، تولت البنى القبلية حماية القرى والمناطق، وتشكيل لجان شعبية للحماية، وإدارة شؤون النازحين، ومحاولة منع انتشار الفوضى والانتقام العشوائي.

• الإغاثة والإعاشة: نظمت آليات التضامن الداخلي، وجمعت المساعدات وزعتها على المتضررين، وسهلت ممرات آمنة لإيصال الغذاء والدواء، مستفيدة من شبكات القرابة والثقة الممتدة عبر الجغرافيا.

• الوساطة وحل النزاعات المحلية: عملت كأداة لمنع تحويل النزاع الوطني إلى حروب أهلية طائفية أو قبلية مصغرة، وحافظت على الحد الأدنى من التعايش بين المجموعات المختلفة في المناطق المختلطة.

• التماسك المعنوي والأخلاقي: حافظت على القيم الاجتماعية من انهيار كلي في وجه عنف الحرب، وشكلت مرجعية أخلاقية للأفراد المهددين بالضياع.

في هذا الإطار، يأتي هذا التحليل كتتويج لهذا الدور واستجابة لواقع مرير. فهو من الناحية السياسية:

1. يمنح شرعية شعبية عريضة للقيادة العسكرية في لحظة حرجة، ويعزز موقعها التفاوضي أمام الميليشيات المتحاربة والأطراف الدولية. متى ما سنحت الظروف السياسية لذلك.

2. يوحد الموقف السوداني بشكل ظاهري و جوهري أمام مبادرات السلام الدولية الحسيسة و المتنافسة و الساعية الى السلام و السلم المحلي و العالمي مما يمنح البرهان مرونة في المناورة ومساحة للقبول أو الرفض بسند قوي من التمثيل الشعبي.

3. يرسل رسالة طمأنينة داخلية بأن هناك كياناً اجتماعياً صلباً قادراً على الحفاظ على تماسك الدولة حتى في أسوأ الظروف.

أما اجتماعياً، فإن البيان يؤطر التضامن القبلي ويوجهه نحو هدف وطني جامع، مما قد يسهم في كبح جماح أي نزعات انفصالية أو انعزالية محتملة، ويؤكد أن الروابط التاريخية بين القبائل يمكن أن تكون درعاً للوطن وليس عاملاً لتفتيته.

اقتصادياً، أي خطوة نحو تكوين جبهة داخلية موحدة تمثل شرطاً أساسياً مسبقاً لأي عملية إعمار. فالمستثمرون والمانحون الدوليون يتوجسون من الفوضى ويفضلون التعامل مع كيانات واضحة وممثلة، حتى لو كانت تقليدية.

دور القبيلة والإدارة الأهلية فيما بعد الحرب: رؤية مستقبلية

مرحلة ما بعد الحرب، سواء أتت قريباً أم بعد حين، ستكون اختباراً حقيقياً لدور هذه البنى. هنا يمكن تصور أدوار محتملة:

• دور فاعل في المصالحة الوطنية: نظراً لخبرتها التاريخية في حل النزاعات المحلية عبر آلياتها المتعارف عليها ، يمكن أن تكون الإدارة الأهلية العمود الفقري لأي عملية مصالحة وطنية شاملة تعالج جروح الحرب على مستوى المجتمعات.

• شريك في إعادة الإعمار: يمكن أن تكون القناة الأكثر كفاءة لتوزيع المساعدات وإدارة مشاريع إعادة البناء المحلية، نظراً لمعرفتها الدقيقة باحتياجات مناطقها ووجود شبكة الثقة لديها.

• حارس للسلام الاجتماعي: ستكون مسؤولة عن استيعاب المقاتلين السابقين في مجتمعاتهم، ومنع دورات الانتقام، وإعادة نسج العلاقة بين المجموعات التي فرقتها الحرب.

• مرحلة الانتقال نحو الدولة المدنية: هذا هو التحدي الأكبر. يجب أن يتحول الدور من “البديل” إلى “الشريك”. على الدولة المستقبلية أن تبني مؤسساتها الديمقراطية (برلمان، أحزاب، محاكم، محليات و ولايات) مع إدماج الإدارات الأهلية في هذا النظام كجزء مكمل وليس مسيطراً. يمكن لها أن تلعب دور المجالس المحلية التقليدية المستشارة، مع الفصل الواضح بين السلطة القضائية الرسمية وآليات الصلح العرفي.

الخلاصة

الدرس المستفاد هو أن القبيلة في السودان ليست مشكلة يجب حلها، بل هي جزء من الحل يجب إدارته بحكمة. مستقبل السودان لن يبنى بإلغاء هذه الروابط العضوية، بل بدمجها في عقد اجتماعي جديد يجمع بين حداثة الدولة وحيوية المجتمع، بين مؤسسات الحكم الرشيد ورقابة المجتمع الأهلي، وبين السلام العادل والوحدة الوطنية المتجددة. البيان الحالي هو لحظة في هذه الرحلة الطويلة والصعبة، وقراءته الصحيحة تكمن في رؤية إمكاناته وإدراك مخاطره، للوصول إلى سودان يسع الجميع.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.